يُطلق عليها البعض “مثلث برمودا العراق”، ويتحدث آخرون عن مخازن أسلحة تعجّ بها أراضيها، وتوصف بأنها منطقة النفوذ الإيراني الأولى في العراق، ويحكى الكثير عن وجود معتقلات داخل حدودها، ويذهب البعض إلى نعتها بـ”عراق خارج العراق”… فما هي حقيقة منطقة جرف الصخر التي عاد اسمها ليتردد من جديد، متجاوزاً الحدود العراقية، عقب الزيارة الأخيرة لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد، واقتراب مهلة تسليم السلاح التي حددها رئيس الحكومة علي فالح الزيدي للفصائل المسلحة؟
تقع جرف الصخر بين بغداد وكربلاء، شمال محافظة بابل، وكانت قبل عام ٢٠١٤ تضم عشرات آلاف السكان، وتشكل عقدة جغرافية تربط العاصمة بجنوب العراق. لكن معارك تنظيم “داعش” في خريف ٢٠١٤ غيّرت واقعها بالكامل، إذ استعادت القوات العراقية، مدعومة بفصائل من الحشد الشعبي، السيطرة عليها، وجرى تغيير اسمها من “جرف الصخر” إلى “جرف النصر”. ومنذ ذلك الحين، بقيت المنطقة مغلقة أمنياً، ولم يُسمح لسكانها بالعودة إليها، وبات أهلها اليوم نازحين في بلدهم، يعيشون في مخيمات وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
مسار طويل من التوظيف الطائفي إلى الإغلاق الأمني
يقدّم الصحفي والكاتب العراقي عمر الجنابي، ابن عشيرة الجنابيين التي تنحدر من بابل، في حديث لموقع “الدّولة” قراءة معمّقة لتحوّلات هذه المنطقة عبر عقدين من الزمن.
لم تكن تسمية “منطقة الموت” أو “مثلث الموت” خاصة بجرف الصخر وحدها، بل أُطلقت على العراق كلّه في مرحلة الصراع الطائفي الذي انتقل من التعاطي الطائفي داخل النظام السياسي، إذ أُسِّس هذا النظام أصلاً على أسس طائفية وقومية (سنة وشيعة وكرد)، على غرار النموذج اللبناني مع فارق وجود الكرد في العراق والمسيحيين في لبنان. حاولت طائفة واحدة فرض سطوتها على البقية، فيما شكّلت الجهات التي أسّست الأجهزة الأمنية آنذاك، أي الجيش والشرطة الاتحادية، امتداداً لميليشيات أُسست في إيران خلال ثمانينيات القرن الماضي وقاتلت العراقيين على أسس مذهبية إبان الحرب العراقية الإيرانية، مثل منظمة بدر وقوّات الشهيد الصدر الأول التابعة لحزب الدعوة وقوّات المجلس الأعلى الإسلامي. هذه التشكيلات المسلحة شكّلت النواة الأولى للجيش والشرطة بعد أن حلّ الحاكم المدني بول بريمر وزارات الدفاع والداخلية والمخابرات والأجهزة الأمنية، مستعيناً بجيمس ستيل (James Steele)، المتخصص في إدارة “فرق الموت” والحروب القذرة، الذي أنتجت شبكة BBC وثائقياً كاملاً عنه. استشرت الطائفية إلى أن سلّمت الإدارة الأمريكية العراق لنفوذ إيران، فرجحت كفّة الجهات المسلحة التي تسلمت الحكم لاحقاً.
في جرف الصخر تحديداً، توقفت عام ١٩٩١ ما تسميها إيران والجهات الإسلامية الشيعية “الانتفاضة الشعبانية” (وسمّاها النظام السابق “أحداث الغوغاء”)، حين تصدّى أهالي الجرف لمجموعات مدعومة من إيران كانت تحاول إسقاط بغداد بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية.
عقدة الوصل التي قررت مصير المنطقة
تضم جرف الصخر طريقاً يربط الفرات الأوسط بالجنوب، ما يجعلها نقطة التقاء استراتيجية بين المحافظات الغربية (الأنبار) والفرات الأوسط والجنوب وبغداد، عقدة وصل حيوية جمعت الوسط والغرب والفرات الأوسط والجنوب في بقعة واحدة. هذا الموقع كان نقمة عليها في فترات كثيرة. كما تضم المنطقة منشأتين ضخمتين من عهد النظام السابق: الأولى متخصّصة بالأسلحة البيولوجية (كالجمرة الخبيثة) وتتمتّع ببنية تحتية متكاملة، والثانية منشأة عملاقة لتصنيع الأسلحة.
بسبب هذا الموقع والبنية التحتية، يُقال إنّ هجمات الفصائل المسلحة على السعودية انطلقت من جرف الصخر بوصفها مركز عمليات. كما أنّ طبيعتها الجغرافية والزراعية، ومحاذاتها للنهر، ووفرة بساتين النخيل المعمرة فيها، جعلتها بيئة مثالية لمعسكرات التدريب وزراعة المخدرات، فضلاً عن قدرة الميليشيات على التحصّن فيها والصمود لفترات طويلة تحت الحصار. من اختارها منطقة استراتيجية للعمليات هو قاسم سليماني، وكان المكلَّف بتنفيذ المشروع أبو مهدي المهندس. ومع تحوّل الأحداث في سوريا تراجعت أهميتها الاستراتيجية لإيران، بعد أن كانت نقطة التقاء لطرق الإمداد الممتدة نحو سوريا ولبنان.
القوى المسيطرة: ثبات تحت مسميات متغيرة
يوضح الجنابي أنّ جرف الصخر لم تسقط بالكامل بيد تنظيم “داعش”، فالتنظيم لم يمكث فيها طويلاً قبل أن تستعيد القوات الأمنية السيطرة، ولم تحدث سيطرة مطلقة عليها في أي وقت. أمّا القوات المسؤولة عن الإدارة الأمنية للمنطقة منذ ذلك الحين وحتى اليوم فهي بالدرجة الأولى قوات تابعة لكتائب حزب الله.
في عام ٢٠١٧، عُقد مؤتمر صحفي لرئيس الائتلاف الوطني إياد علاوي وشيخ عموم قبيلة الجنابيين عدنان نعمة الخضير الجنابي، رئيس لجنة الطاقة سابقاً في البرلمان العراقي وشقيق وزير الزراعة الأسبق في عهد النظام السابق، تحدّث فيه الجنابي عن طلب إيراني للقائه لحل أزمة جرف الصخر وإعادة النازحين، لكنّه فوجئ عند وصوله إلى إيران بأنّ الملف بيد الجهات المعنية في لبنان، وفق ما صرّح به علاوي، رئيس الوزراء الأسبق ورئيس القائمة العراقية الفائزة بانتخابات ٢٠١٠ التي جرى الالتفاف عليها. وبذلك، فإنّ ملف جرف الصخر إقليمي ودولي منذ البداية، بيد حزب الله بشكل عام.
لاحقاً أصبحت هذه الفصائل ضمن تشكيلات الحشد الشعبي، وحصلت على ميزانية ودعم رسمي. الغطاء السياسي لسيطرة حزب الله والفصائل المتحالفة معه (النجباء، أنصار الله الأوفياء وغيرها) يوفّره مجلس محافظة بابل والحكومة المحلية، التي تديرها فصائل مسلحة في مقدمتها عصائب أهل الحق، إلى جانب منظمة بدر وكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء وبقية الفصائل. من الحوادث الدالة على ذلك اعتقال وزير الداخلية الأسبق محمد الغبان (الذي أصبح لاحقاً رئيس كتلة بدر النيابية) حين دخل المنطقة، قبل أن يُطلق سراحه ويقدّم استقالته على خلفية الإهانة التي تعرض لها.
مخازن سلاح ومصانع مسيّرات: هل تشبه علي الطاهر؟
يرى الجنابي أنّ جرف الصخر، كما يصفها العسكريون، قاعدة عمليات إيرانية متقدّمة تضم منصّات إطلاق صواريخ ومصانع طائرات وقوات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومخازن سلاح. تحدّثت وكالة رويترز في تقرير عام ٢٠١٨ عن نقل صواريخ باليستية وأسلحة إلى جرف الصخر من قبل إيران. هذا التوصيف يجعل تشبيه جرف الصخر بمنطقة علي الطاهر جنوب لبنان تشبيهاً منقوصاً، فجرف الصخر أكثر تعقيداً بوصفها مخزناً كبيراً للسلاح وقاعدة عمليات ووصاية إيرانية مطلقة، وهو ما يفسر عدم قدرة أي مسؤول حكومي على دخولها، بما في ذلك محافظ بابل الحالي (أحد قادة الميليشيات التي قاتلت في سوريا) وأعضاء المجلس المنتمون إلى الفصائل المسلحة أنفسهم.
وممّا يعزّز هذه الروايات اعتقال بعض الصحفيين، خصوصاً الغربيين، وإطلاق سراحهم لاحقاً، مع إدلائهم بتفاصيل عن البيئة والأوقات التي عاشوها هناك، إلى جانب تسريبات من قيادات أمنية وشهادات جهات سياسية، وشهود عيان نجوا من محاولات اختطاف بفضل ضغوط دولية. لم تعد هذه الأمور مجرد مزاعم أو تكهنات، بل شهادات صادرة عن جهات سياسية وأمنية متعددة تؤكّد وجود معسكرات تدريب لقوات من أفغانستان واليمن والعراق ودول أخرى على يد مدربين من محور إيران، إضافة إلى سجون سرية ومزارع للمخدرات.
في الجزء الثاني غداً:
قاآني أو الزيدي: من يحكم “علي الطاهر” العراقية؟