قاعدة استراتيجية محرّمة على الدولة منذ اثني عشر عاماً، تحكمها حسابات مواجهة مؤجلة باستمرار، بينما يبقى النازحون وحدهم في العراء، منسيين داخل الخيام…فإلى متى تبقى جرف الصخر خارج سيطرة الدولة؟
لماذا يُمنع دخول الدولة منذ اثني عشر عاماً؟
الوصاية الإيرانية المطلقة على جرف الصخر، ووجود مخزن سلاح ضخم فيها، وكونها قاعدة عمليات متقدمة، تفسّر مجتمعة استحالة دخول أي مسؤول حكومي إليها، بما فيهم محافظ بابل وأعضاء المجلس المحلي المنتمون للفصائل نفسها، وهو تحدٍّ لكل القادة الأمنيين أيضاً. إيران لا تنظر إلى جرف الصخر كمنطقة نزح سكانها منها فحسب، بل كقاعدة عسكرية متقدمة تطمح من خلالها لاستهداف عدة دول ومناطق وفرض السيطرة على مفاصل عديدة، وقد تكون أداة ضاربة بيد الإيرانيين إذا احتدمت الحرب في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل وصول مفاوضات مضيق هرمز إلى طريق شبه مسدود.
زيارة قاآني وملف جرف الصخر تحديداً
يشير الكاتب عمر الجنابي إلى أنّ قاآني، في زيارته الأخيرة إلى بغداد، تحرّك مباشرة لمنع رئيس الوزراء علي الزيدي من دخول جرف الصخر عبر جهاز مكافحة الإرهاب. مجيء شخصية بحجم قاآني إلى بغداد وتدخّله المباشر والطارئ لمنع دخول قوات مكافحة الإرهاب إلى هذه المنطقة تحديداً، وليس فقط في سياق ملف حصر السلاح العام، يعكس أنّ طهران تعتبر جرف الصخر ملفاً أكثر حساسية من ملفات فصائل أخرى، بوصفها قاعدة عملياتها المتقدمة ومخزن سلاحها الاستراتيجي، لا مجرّد منطقة نزوح عادية.
المخاطر الميدانية والسياسية للاقتحام المحتمل
يقول الجنابي إنّ رئيس الوزراء الحالي يلوّح باقتحام جرف الصخر عبر جهاز مكافحة الإرهاب وبعض عناصر أو قوى الجيش. الآلية الوحيدة الممكنة لتحرير المنطقة تبدو أنّها غطاء جوي عسكري أمريكي مع قوات على الأرض من جهاز مكافحة الإرهاب والجيش، إذ إنّ دخول هذه القوات وحدها سيؤدي على الأرجح إلى اشتباك ومعارك تضطر معها القوات الحكومية لطلب إسناد جوّي. لكن سلاح الجو العراقي لا يغطي هذه المنطقة الزراعية الكثيفة بالنخيل والأشجار بشكل جيد، ولا يملك العراق طائرات مسيّرة قاصفة تطير على ارتفاع منخفض وتصلح للقتال في بيئة كهذه.
لو قرّر رئيس الوزراء دخول جرف الصخر فعلياً، فستكون هذه بداية اشتباك مباشر بين القوات العراقية وقوات الفصائل المسلحة، وقد تشكل حجر الأساس لاستعادة هيبة الدولة العراقية المفقودة منذ ٢٠٠٣. مع ذلك، فإنّ احتمال تحقق هذا السيناريو لا يتجاوز ٢٠٪، إذ لن يحدث من دون ضغط أمريكي مباشر، فيما الجانب الأمريكي حالياً منشغل بملفات إيران والانتخابات الداخلية، رغم استمرار الضغوط وصراحة المبعوث توم باراك في طروحاته.
سيناريو الأشهر المقبلة: تفاهم أم مواجهة؟
يتوقّع الجنابي أنّ الفصائل سترفض تسليم سلاحها رغم التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات على العراق واستهدافها، إذ تُدار بمنهجية إيرانية تتسم بالصبر الطويل “حياكة السجاد”. أكثر من أربعة أو خمسة قادة فصائل أعلنوا صراحة أنهم لن يسلموا سلاحهم لأي جهة، وإن سلّموه فسيكون للحشد الشعبي، وهم أنفسهم جزء منه. إذا تجاوزت الفصائل مهلة ٣٠ أيلول المقبل من دون تسليم السلاح، ومن دون أن تتحقق أي ضربة عسكرية أو ضغط فعلي عليها، فمن المستحيل أن يعود العراق لوضعه الطبيعي أو أن تُستعاد جرف الصخر والمناطق الأخرى إلا عبر اجتياح بري، وهو أمر صعب التكرار في العراق. عندها ستكون هناك حاجة لحكومة غير حكومة الزيدي، فيما يكون ترامب قد أنهى ولايته الرئاسية الثانية، ما يجعل المشهد أصعب. تراهن الفصائل وإيران على انتهاء هذه المدة الرئاسية.
بين “جريمة حرب” و”تهويل انتخابي”: من المستفيد؟
يلفت الجنابي إلى أنّ النازحين من جرف الصخر يتوزعون في مخيمات عشوائية في بزيبز وعامرية الفلوجة، إضافة إلى من استطاع استئجار أو تملك منزل في مدينة الحلة، مركز محافظة بابل. المفارقة أنّ هؤلاء جميعاً مدققون أمنياً ولا يوجد بينهم إرهابيون أو مشاكل أمنية، ومع ذلك لا يُسمح لهم بالعودة. كما أنهم لا يملكون أصواتاً انتخابية أصلاً، إذ يلزمهم الاقتراع في مناطقهم الأصلية الخالية من السكان، وبالتالي لا تمثيل لهم في مجلس المحافظة أو البرلمان، وهو ما يُضعف فرضية أنّ الحديث عن قضيتهم مجرد “تهويل إعلامي لأغراض انتخابية”، إذ لا يوجد دافع انتخابي فعلي وراء طرح ملفهم.
في المقابل، حين يتحدث الشيخ عدنان الجنابي عن المظلمة التي تعرض لها أهالي جرف الصخر، يُجرَّم! فقد رفع مجلس محافظة بابل ومحافظها دعوى قضائية وعقدوا مؤتمراً صحفياً ضده لمجرد وصفه المنطقة بأنها “محتلة”. والمفارقة أنّ إجراءات مجلس بابل نفسها تؤكّد هذا الوصف: إنشاء ناحية إدارية جديدة ضمت إليها أراضي جرف الصخر، والاستيلاء على أراضي وممتلكات وبيوت السكان وتوزيعها على أتباع المجلس، مع اعتبار عشرات آلاف السكان “إرهابيين” جماعياً وإلغاء حق مواطنتهم بالكامل. الدافع، بحسب هذه القراءة، طائفي بامتياز: فأهالي الجرف من السنة، ومن قبيلة الجنابيين تحديداً، القبيلة العربية المعروفة بمقاومتها للاحتلال ورجالات الدولة فيها من ضباط الجيش والمخابرات والأمن والأكاديميين.
مسؤولية الأحزاب السنية والتغيير الديمغرافي
يشدد الجنابي على أنّ الأحزاب السنية ليست شريكة حقيقية في المعادلة السياسية، ولا يوجد توازن في توزيع القيادات الأمنية والعسكرية، فهي مجرد مشارك، والطرف الأضعف عموماً. الطرف الكردي كانت له حاضنة دولية (الولايات المتحدة وبريطانيا)، والطرف الشيعي حاضنة إقليمية (إيران)، بينما لم تكن للطرف السني أي حاضنة عربية أو إقليمية. لم تقدّم الأطراف السنية شيئاً لأنها لا تستطيع أصلاً، فكثير من قياداتها ملاحقة أو مُجتثّة، مثل الشيخ خميس الخنجر المشمول باجتثاث البعث، ومحمد الحلبوسي الذي أُزيح من رئاسة البرلمان بقرار إيراني بعد أن انزعجت طهران منه، إضافة إلى قيادات أُقصيت وأُبعدت عن البلاد مثل طارق الهاشمي ورافع العيساوي وعبد الناصر الجنابي وأسماء أخرى كثيرة. وضع جرف الصخر مرتبط بالمشهد الإقليمي وخطط إيران الاستراتيجية التي تتعامل مع العالم كجبهة قتال متعددة النقاط، وكانت جرف الصخر إحدى نقاط المواجهة في العراق.
واقع إنساني قاسٍ يمتد لأكثر من اثني عشر عاماً
وزارة الهجرة والمهجرين، التي يترأسها ريان الكلداني (زعيم ميليشيا بابليون المقربة من إيران ومنظمة بدر تحديداً)، أعلنت سابقاً إغلاق مخيمات النازحين رغم أنّ جرف الصخر و١٤ منطقة أخرى ما زالت منزوعة السكان، منها العوجة (منطقة أقارب الرئيس السابق صدام حسين وعشيرته) والعويسات المجاورة التابعة للأنبار، إضافة إلى سنجار التي سمحت إيران لحزب العمال الكردستاني باحتلالها ومنع سكانها من العودة.
يصف الجنابي كيف يعيش أهالي جرف الصخر منذ أكثر من ١٢ عاماً في مخيمات من القماش؟ هناك من وُلد في الخيمة ودخل المدرسة ثم الثانوية من دون أن يرى بيتاً أو مدينة أو شارعاً، وهناك من تزوج وأنجب أطفالاً داخل المخيمات نفسها. هذا الواقع يمثل حرماناً ممتداً من أبسط مقومات الحياة الطبيعية، في ظل استحالة عودتهم إلى ممتلكاتهم رغم خلوّهم من أي شبهات أمنية، ما يجعل ملفهم قضية حقوقية وإنسانية بامتياز، أكثر منه قضية سياسية أو انتخابية.
وبحسب وثائقي “جرف الصخر العراقية… العودة الممنوعة” الذي عرضته قناة “الحرّة” عام ٢٠٢٤، لجأت غالبية مهجّري جرف الصخر إلى “عامرية الفلوجة” حيث المخيم المركزي، وإلى مخيمات عشوائية في “بزيبز”، حيث يعيشون في ظروف لاإنسانية بين الأفاعي والحشرات، ويتوفون في الشتاء بسبب الأمطار التي تُغرق المخيمات. كما أنّ الحكومة لم تقدّم لهم عند نزوحهم غير “الخيام” ووعود بالعودة لم يتحقّق منها شيء…
إقرأ أيضاً: “جرف الصخر”: “علي الطاهر” العراقية.. هل يقتحمها الزيدي؟ 1/3
غداً في الجزء الثالث والأخير:
جرف الصخر: مهلة تسليم السلاح… و”إنذار أحمر” إيراني