طالعنا الدكتور محمد علي مقلّد بـ«درس أخوي» في الشجاعة وآداب الكتابة والثقافة والسياسة. والأرجح أن في هذا الدرس نفسه ما يفسّر جانباً من أسباب تعثّر العمل السياسي في «المنبر الوطني للإنقاذ»، وقبله في تجارب سياسية وثقافية أخرى: هذه الفوقية والعنجهية والتعالي في مخاطبة الآخرين، وهي في جانب منها إرث مستورد من ثقافة الأحزاب الماركسية–اللينينية والتنظيمات الحديدية التي اندثرت، قبل أن يستعير الإيرانيون و«حزب الله» كثيراً من أدواتها التنظيمية والثقافية.
وبعد مقدمة ومؤخرة مطوّلتين عن «غفلة» الكاتب محمود المختار، وقع الدكتور مقلّد نفسه في “خطأ وخطيئة”.
أما الخطأ، فهو قوله إن محمد بركات أعاد نشر مقالة محمود المختار على صفحته. وهذا لم يحصل. وكان الأجدى، قبل إعطاء الدروس في «آداب الكتابة»، التحقق من هذه الواقعة البسيطة.
أما الخطيئة، فهي في متن الرد وجوهره.
يقول الدكتور مقلّد إن النقد أغفل أن «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي مؤسسة ثقافية وليس حزباً سياسياً»، وكأن ذلك يفسّر لماذا يهاجم بيان المجلس إسرائيل، ويحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية معاناة أهل الجنوب، ثم يغفل تماماً ذكر «حزب الله» وإيران ودورهما في أخذ الجنوب ولبنان إلى الحرب.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة:
فالبيان الذي نتحدث عنه *سياسي من أوله إلى آخره*. مواجهة إسرائيل موقف سياسي، وتحميل الحكومة والدولة المسؤولية موقف سياسي، والحديث عن الحرب والاحتلال والجنوب موقف سياسي.
فكيف تصبح السياسة «ثقافة» عندما يكون الكلام عن إسرائيل والدولة اللبنانية، ثم تصبح تسمية «حزب الله» وإيران خروجاً من الثقافة إلى السياسة؟
كيف تكون مواجهة إسرائيل ثقافة، ومساءلة الحكومة ثقافة، فيما مساءلة من قرّر فتح الجبهة وأخذ الجنوبيين إلى حرب مدمّرة ليست من اختصاص المجلس «الثقافي»؟
عالسطر. نقطة.
المشكلة إذاً ليست في أن المجلس «ثقافي» ولا يريد ممارسة السياسة، بل في أنه يمارس السياسة انتقائياً: يسمّي خصماً، ويحاسب الدولة، لكنه يتوقف عند الجهة التي ينبغي أن تكون في صلب أي مساءلة جدية عمّا حلّ بالجنوب.
وهذا تحديداً ما قصده المقال حين تحدث عن الشجاعة.
لا أحد ينكر تاريخ المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ولا دور حبيب صادق، ولا مكتبته، ولا ندواته، ولا كتبه، ولا نشاطاته، ولا نضالات أعضائه. واستعادة عناوين كتب صدرت منذ الثمانينيات والتسعينيات لا تجيب عن السؤال المطروح اليوم.
السؤال أبسط بكثير:
هل يملك المجلس اليوم الشجاعة الأدبية لأن يسمّي المسؤولين عن الكارثة التي حلّت بالجنوب كما يسمّي إسرائيل والدولة اللبنانية؟
لا تتلطّوا بتاريخ حبيب صادق
نحن لا نحاكم تاريخ المجلس. نحن نناقش بيانه الحالي.
بل إن استحضار إرث حبيب صادق يجعل السؤال أكثر إلحاحاً، لأن المؤسسات الثقافية لا تعيش على رصيد مؤسسيها إلى الأبد، ولا تُعفى من النقد لأن في مكتبتها تاريخاً مشرفاً. الوفاء الحقيقي لهذا التاريخ يكون بالمحافظة على جرأته، لا بتحويله إلى حصانة في وجه الأسئلة.
أما قول الدكتور مقلّد إن المقالة اعتمدت «التفرقة وشق الصفوف بدل تجميع القوى حول مشروع الدولة»، فهو أخطر ما ورد في رده.
فمشروع الدولة لا يُبنى بإسكات النقد ولا بمطالبة الآخرين بمراعاة «وحدة الصف». هذه بالضبط هي اللغة التي استخدمتها الأحزاب العقائدية طويلاً: لا تنتقد كي لا تشق الصف، لا تسمِّ الأمور بأسمائها كي لا تخدم الخصم، ولا ترفع سقفك كي لا تضر بالقضية.
ومشروع الدولة الذي نريده يقوم على العكس تماماً: على الحرية، والمساءلة، وحق الاختلاف، وحق النقد، ورفض أي وصاية سياسية أو ثقافية على الكلمة.
“الجبن” ليس شتيمة… بل نقدٌ محقٌّ
أما «الجبن والخوف والعجز والخرس والصمت» التي اعتبرها الدكتور مقلّد «قاموس شتائم»، فهي، حين تكون في سياق نقد موقف عام، أوصاف سياسية قاسية يمكن الرد عليها بالحجة، لا بإعطاء أصحابها درساً في الأخلاق والآداب. المثقف الذي يطالب السياسي بتحمّل النقد، عليه هو أيضاً أن يتحمّل النقد عندما يدخل المجال العام ويصدر البيانات السياسية.
وفي المقابل، فإن عبارة «صبية المنصات ووسائل التواصل» التي ختم بها الدكتور مقلّد درسه لا تبدو نموذجاً متقدماً جداً في «آداب الكتابة» التي أراد تعليمها للآخرين.
وأخيراً، وبالأخوية نفسها التي اختارها الدكتور محمد علي مقلّد عنواناً لرده، نطلب منه أن يحتفظ بدروس الفوقية والأبوية لنفسه.
الأستاذ مقلّد الباحث عن تلاميذ
نحن لا نحتاج إلى أستاذ يعلّمنا كيف نكتب، ولا إلى رقيب يحدد لنا سقف النقد المقبول، ولا إلى أحد يمنحنا شهادة في الثقافة أو في الشجاعة.
ما نحتاج إليه، وما يحتاج إليه الجنوب خصوصاً، هو شيء أبسط وأصعب بكثير:
أن نمتلك جميعاً الشجاعة لتسمية الأشياء بأسمائها.
إسرائيل مسؤولة عن قتل اللبنانيين وتدمير قراهم.
والدولة مسؤولة بقدر ما تعجز عن حماية مواطنيها واستعادة قرارها.
و«حزب الله» وإيران مسؤولان عن قرار أخذ لبنان والجنوب إلى حرب لم يقررها اللبنانيون ولا مؤسساتهم الدستورية.
هذه ليست “قلة أدب”.
هذه هي الثقافة حين تمتلك الشجاعة.
إقرأ أيضاً: “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي”: هل يخاف من إيران والحزب؟