معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

عشرون عاماً من الانتظار… والنتيجة: بشارة الأسمر

المساعدة البصرية: حجم الخط

تنتظر الدولة عشرين عاماً لتملأ فراغاً في الضمان الاجتماعي، فتملأه بمن كان رئيساً للإتحاد العمالي العام دون أن يلتفت يوماَ للعمّال. هكذا يتحول الفراغ إلى مكافأة، ويصبح الولاء وحده مؤهلاً لإدارة ما تبقى من حماية اجتماعية للبنانيين.

 

بعد أكثر من عشرين عاماً، عاد مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى الحياة. عشرون عاماً ظلّ فيها هذا الصندوق، الذي يُفترض أن يكون أحد أعمدة الحماية الاجتماعية في لبنان، يعمل من دون مجلس إدارة جديد مكتمل الصلاحيات. انتهت ولاية المجلس السابق عملياً عام 2007، ومنذ ذلك الحين استمر التمديد والفراغ حتى تعيين المجلس الجديد في آب 2026.
كان يمكن للبناني أن يتوقّع أن تأتي هذه اللحظة بشخصية متخصّصة في إدارة مؤسسات الضمان والحماية الاجتماعية، أو بخبير في التأمينات والصناديق الاجتماعية، أو على الأقل بشخص أمضى سنوات في العمل داخل مؤسسة الضمان ويعرف ملفاتها وأرقامها وثغراتها المالية والإدارية.

مفاجأة على رأس مجلس إدارة الضمان

لكن المفاجأة كانت انتخاب بشارة الأسمر رئيساً من قبل مجلس إدارة الضمان، بعد انتخابه عضواً فيه.
الأسمر هو رئيس الاتحاد العمالي العام منذ آذار 2017، أي منذ نحو تسع سنوات. وقد وصل إلى رئاسة الاتحاد بعد انتخابات توافقية، فيما كانت تقارير صحافية في ذلك الوقت تشير بوضوح إلى أنّ المكتب العمّالي في حركة أمل سمّى الأسمر لرئاسة الاتحاد، وأنّ للحركة نفوذاً أساسياً في هذا الاستحقاق.

وهنا تبدأ القصة التي تستحق السؤال، لا التصفيق.

ما علاقة رئاسة اتحاد عمالي برئاسة صندوق وطني للضمان؟ ولماذا يصبح الموقع الجديد امتداداً طبيعياً للموقع القديم؟ وهل باتت المؤسسات العامة في لبنان تُدار بمنطق: إذا بقيت في الموقع السياسي المناسب سنوات طويلة، فستصل في النهاية إلى موقع أكبر؟
الأسمر طبيب، وليس اختصاصه إدارة صناديق الضمان أو التأمينات الاجتماعية. وهذا ليس انتقاصاً من مهنته، فالطب مهنة محترمة ورسالة، لكن السؤال يتعلّق بالكفاءة المطلوبة لإدارة مؤسسة تتشابك فيها مليارات الليرات، وحقوق العمال، والتقديمات الصحية، وتعويضات نهاية الخدمة، والاستدامة المالية.
المفارقة تصبح أكثر قسوة عندما نتذكر سنوات الانهيار التي عاشها اللبنانيون: مواطن يقف أمام الصيدلية ولا يجد الدواء، وأم تبحث عن حليب لطفلها، وطوابير تمتد أمام محطات البنزين، وليرة تنهار أمام الدولار، وودائع مصرفية تتحول إلى أرقام محاصرة خلف أبواب المصارف.
وسط كل هذا الانهيار، كان يُفترض برئيس الاتحاد العمالي العام أن يكون في مقدمة المواجهة، حاملاً صوت العمال والموظفين والفقراء، ومدافعاً عن حقوق اللبنانيين في وجه سلطة أوصلتهم إلى قاع الفقر.
لكن بشارة الأسمر بقي في مكتبه، بعيداً عن الشارع ومعاناة الناس، وكأنّ أقصى ما كان مطلوباً منه أن يتدفأ في الشتاء ويتكيّف بالتبريد في الصيف، بدلاً من قيادة الحركة العمالية وخوض معركة حقيقية دفاعاً عن شعب كان يخسر راتبه ومدّخراته وكرامته يوماً بعد يوم.

بدل النقل: حين صار العامل آخر من يُفكَّر به

عندما رُفع الدعم عن المحروقات وانفجرت أسعار البنزين، لم يعد بدل النقل تفصيلاً صغيراً في حياة العامل، بل أصبح معركة بقاء. لكن بدلاً من أن يكون الاتحاد العمالي العام صوت العامل في مواجهة أصحاب المؤسسات، وجدنا بشارة الأسمر يتحرّك مع الهيئات الاقتصادية لرفع بدل النقل، فيما بقيت الأجور تقريباً على حالها، تترنّح تحت خط الفقر.
المشكلة ليست في رفع بدل النقل، بل في السؤال: ماذا عن الراتب؟ أي قيمة لبدل نقل إذا كان العامل يصل إلى مكان عمله ليكتشف أنّ راتبه لا يكفي طعاماً ودواءً وإيجاراً؟
هكذا تحوّل الدفاع عن حقوق العمال إلى إدارة للفقر، وتحوّل الاتحاد من جبهة ضغط على أصحاب العمل إلى وسيط يجمّل الانهيار.
العامل لم يكن يحتاج صدقة على البنزين. كان يحتاج أجراً يحفظ كرامته. أمّا المؤسسات الكبرى، فكانت تحتاج ببساطة إلى أن يبقى العامل رخيصاً والربح كبيراً.

الضمان ليس جائزة ترضية

عشرون عاماً بلا مجلس إدارة كامل الصلاحيات، ثم عندما يأتي المجلس أخيراً، يجد اللبناني نفسه أمام رئيس الاتحاد العمالي نفسه في رئاسة الضمان.
كأنّ تركيبة هذا النظام تقول للمواطن: انتظرنا عشرين عاماً، وفي النهاية لم نجد أفضل من الشخص الذي كان موجوداً أصلاً.
الضمان ليس جائزة ترضية. وليس مقعداً نقابياً إضافياً. وليس محطة في مسار توزيع النفوذ بين القوى السياسية.
الضمان هو آخر ما تبقى للمواطن عندما تسقط الدولة. وعندما يكون الفساد المستشري قد أسقط العملة، والقدرة الشرائية، وفرص العمل، فلا يجوز أن يكون آخر خط دفاع اجتماعي محكوماً بمنطق المحاصصة نفسها التي أوصلت البلد إلى الحائط.
المشكلة ليست في بشارة الأسمر وحده. المشكلة في النظام الذي يستطيع أن يجعل الموقع العام مكافأة على طول البقاء، لا نتيجة لتراكم الخبرة والكفاءة والمحاسبة.
في لبنان، يبدو أنّ معيار النجاح لم يعد: ماذا أنجزت؟ بل: من أبقاك في موقعك؟ وهذه هي الكارثة الحقيقية.
لأنّ البلد الذي يمنح المواقع على أساس الولاء، ثم يبحث عن الكفاءة بعد التعيين، لا يبني مؤسسات. إنه فقط يعيد ترتيب الكراسي فوق أنقاض الدولة.

 

إقرأ أيضاً: بشارة الأسمر: مملكة الفضائح التي لا تسقط