في كل فترة، تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي تراندات جديدة تستعيد معها الناس مراحل وذكريات من الماضي. مرة نرى صور الطفولة تعود بقوّة، ومرة تنتشر صور قديمة للعائلات أو إطلالات من سنوات مضت، وأحياناً تتحوّل مرحلة زمنية كاملة إلى مصدر إلهام للملابس والتصوير والموسيقى. لكن تراند الثمانينات يبدو من أكثر التراندات التي لفتت الأنظار في الفترة الأخيرة، وكأنه أعادنا فجأة إلى زمن مختلف بكل تفاصيله… فلماذا نشتاق إلى الماضي؟
الثمانينات تعود من باب الموضة
فاللافت أنّ الثمانينات لم تعد فقط من خلال صورة قديمة أو أغنية نستعيدها للحنين، بل عادت الموضة نفسها إلى الواجهة. الجاكيتات الجلدية والجينز، الأكتاف العريضة، الأحزمة الكبيرة، الألوان القوية، الإكسسوارات اللافتة، الشعر الكثيف والتسريحات التي كانت جزءاً أساسياً من إطلالة تلك الفترة، كلها أصبحت تظهر من جديد ولكن بطريقة أكثر عصرية.
ومن أبرز الأسماء التي تتصدّر هذه العودة اليوم المصممة استيلا مكارتني، التي أعادت تقديم البليزر الأوفرسايز بأكتافه العريضة في مجموعاتها الأخيرة، إلى جانب دار لويفيه (Loewe) التي استوحت جاكيتات الجلد القصيرة والواسعة عند الخصر من روح تلك الحقبة.
وربما أكثر ما يُثير الانتباه هو أنّ ما كان يُعتبر قديماً أو خارج الموضة منذ سنوات، أصبح اليوم مرغوباً ومحبباً لجيل لم يعش تلك المرحلة أصلاً.
الموضة، في الأساس، لا تختفي تماماً. هي تعود كل عدة سنوات، لكن في كل مرة تأخذ شكلاً جديداً يناسب العصر. قطعة كانت موجودة في خزانة الأم أو الجدة يمكن أن تصبح اليوم قطعة أساسية في إطلالة شابة، وفستان شاهدناه في فيلم قديم قد يتحول إلى مصدر إلهام لمصممين أو مؤثرين على مواقع التواصل.
ولعل هذا ما يجعل تراند الثمانينات مختلفاً قليلاً. فهو لا يُعيد الملابس فقط، بل يُعيد إحساساً كاملاً بتلك الحقبة.
من أفلام الأبيض والأسود الى إطلالات اليوم
حتى الأفلام القديمة، وخصوصاً الأعمال التي نشاهد فيها نجمات تلك السنوات بإطلالات بسيطة ولافتة في الوقت نفسه، أصبحت تحظى باهتمام من جديد. وهناك نوع من الإعجاب بملابس ممثلات من أجيال سابقة، وبطريقة حضورهن أمام الكاميرا، وحتى بالأفلام القديمة بالأبيض والأسود، رغم كل التطور الذي وصلت إليه الصورة والموضة اليوم.
ولعل أبرز مثال معاصر على هذا الحنين هو مسلسل Stranger Things، الذي أعاد بناء أجواء الثمانينات بالكامل، من الموسيقى إلى تسريحات الشعر والملابس، مستلهماً بشكل مباشر من أفلام تلك الحقبة نفسها مثل E.T. لستيفن سبيلبرغ، وThe Goonies لريتشارد دونر، وTerminator لجيمس كاميرون. أما على صعيد الأفلام التي عالجت فكرة الشوق إلى الماضي بحدّ ذاتها كموضوع رئيسي، فيبرز فيلم Midnight in Paris لوودي آلن، الذي جعل من الحنين إلى حقبة زمنية أخرى محور قصته بالكامل.
لماذا نشتاق الى الماضي؟
فلماذا نعود إلى الماضي بينما لدينا كل هذا الكم من الخيارات الجديدة؟
ربما لأنّ الإنسان، وسط السرعة الكبيرة التي يعيشها اليوم، يبحث أحياناً عن شيء أبسط. الماضي يمنح شعوراً بالحنين، حتى لمن لم يعشه بشكل مباشر. كما أن إعادة اكتشاف الموضة القديمة تمنح الجيل الجديد فرصة لتجربة شيء مختلف، بعيداً عن التشابه الكبير الذي تفرضه بعض التراندات الحالية.
ومواقع التواصل الاجتماعي لعبت دوراً أساسياً في هذا الأمر. فصورة واحدة من الثمانينات يمكن أن تنتشر خلال ساعات، ثم تتحول إلى فكرة لتحدٍّ أو ريلز أو إطلالة، ويبدأ الناس بتجربة الستايل بطريقتهم الخاصة.
كيف نرتدي الثمانينات بطريقة عصرية؟
لكن الجميل في عودة الثمانينات أن المطلوب ليس بالضرورة أن نرتدي الإطلالة القديمة كما هي. يمكن أخذ قطعة واحدة فقط من تلك المرحلة ودمجها مع ملابس عصرية. جاكيت جلد مع بنطلون بسيط، حزام بارز مع فستان هادئ، أو إكسسوارات كبيرة مع إطلالة حديثة.
وهنا تصبح الموضة أشبه بحوار بين الماضي والحاضر، لا مجرد نسخ لما كان موجوداً.
فهل فعلاً نريد العودة إلى الثمانينات؟
ربما لا نريد العودة إلى الزمن نفسه، بكل ما كان فيه، لكننا بالتأكيد لا نمانع في استعارة بعض تفاصيله الجميلة.
بين تراند صور الطفولة والذكريات القديمة وعودة الأزياء التي ظننا أنها انتهت، يبدو أن مواقع التواصل الاجتماعي وجدت طريقة جديدة لتقول لنا إنّ الماضي لم يبتعد كثيراً – فما نرتديه اليوم قد يكون شيئاً رأيناه قبل سنوات طويلة، لكنه عاد إلينا بحلّة جديدة.
ومع استمرار دورة الموضة: لن تكون الثمانينات هي المحطة الأخيرة. فقريباً سنستيقظ لنجد موضة جديدة.. هل تكون التسعينات أو الألفينات أو غيرها؟