اهتزّت الأرض تحت علي الطاهر ليلة العاشر من أيلول، وزُلزِل الجبل الذي تحوّل إلى ساحة اشتباك بين جيش يفجّر وحزب يحفر، وتحوّل لشاهدٍ صامت على سؤال أعمق من “من ضرب من”: من يدفع ثمن تربة تشقّقت، ومياه ربما تلوّثت، وهواء لم يُختبر بعد؟
لم يكن تفجير مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان ليلة 10 أيلول الجاري حدثاً عسكرياً فحسب. فحين يُفجّر باطن مرتفع جبلي يحتوي على شبكة أنفاق تمتد، بحسب الجيش الإسرائيلي، لأكثر من كيلومترين، ويولّد الانفجار اهتزازاً سجّلته هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بما يعادل هزّة بقوة 4.1 درجات، يصبح من المشروع علمياً وقانونياً أن نسأل: ماذا حدث للجبل نفسه، ولتربته ومياهه وهوائه ونظامه البيئي، ومن يتحمّل تبعات ذلك؟
الجبل ليس كتلة صخرية صمّاء
المرتفعات في قضاء النبطية تقع ضمن بنية جيولوجية معقدة تتضمن تكوينات كلسية ودولوميتية، وبعضها كارستي، فضلاً عن صدوع وتكوينات رسوبية مختلفة، وفق الخرائط الجيولوجية المعتمدة في الدراسات البيئية الرسمية للمنطقة. والوسط الكارستي، حيث يوجد، مهم بصورة خاصة لأن الشقوق والفجوات الطبيعية قد تسمح بانتقال المياه والملوثات داخل الكتلة الصخرية.
لذلك، فإنّ إنشاء منشآت وأنفاق عسكرية واسعة داخل المرتفع كان في ذاته تدخلاً في البنية الجيولوجية: حفر، إزالة صخور، تغيير مسارات محلية للمياه وتكوين فراغات تحت الأرض. ثم جاء تدمير تلك المنشآت بالمتفجرات ليضيف صدمة ميكانيكية مفاجئة إلى كتلة صخرية سبق تغيير بنيتها.
فتسجيلُ هزة بمقدار 4.1 درجات يعني أنّ المنطقة تعرضت لـ”زلزال طبيعي”، والأرجح أنّ هناك ضرراً جيولوجياً دائماً. ما يثبته هو أنّ طاقة كافية انتقلت إلى الأرض لتلتقطها أجهزة الرصد الزلزالي. أما تحديد الكسور الجديدة، واستقرار المنحدرات والفراغات المنهارة، فيحتاج إلى مسح جيولوجي وجيوفيزيائي متخصص.
ما تحت الأرض قد يصل إلى الماء
الأثر الأكثر حساسية قد لا يكون ما نراه فوق الجبل. فتفجير منشآت تحت الأرض يمكن أن يخلّف ركاماً دقيقاً وبقايا احتراق ومواد ناتجة عن المنشآت والمعدات والذخائر الموجودة فيها. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنّ الشبكة كانت تضم مخازن ومعدات وذخائر متنوعة.
علمياً، لا يجوز افتراض نوع الملوثات أو تركيزها قبل التحليل. لكن وجود هذا الخليط يبرّر فوراً أخذ عينات من التربة والمياه والينابيع والغبار وفحصها دورياً. وتجربة برنامج الأمم المتحدة للبيئة في لبنان بعد حرب 2006 مهمة في هذا المجال. فقد اعتمد خبراؤه أخذ عينات مخبرية من مواقع القصف للتحقق من التلوث الكيميائي للتربة ومصادر المياه ومن آثار الذخائر، بدلاً من الاكتفاء بالتقديرات البصرية. وهذا تحديداً ما يحتاجه علي الطاهر اليوم، دليل علمي قابل للاستخدام القانوني، لا انطباعات سياسية عن حجم الضرر.
الغبار ليس مجرد غبار
التفجيرات والانهيارات الصخرية ترفع كميات كبيرة من الجسيمات إلى الهواء. ويختلف الخطر تبعاً لتركيب الغبار وحجم الجسيمات ومدة بقائها وانتقالها واتجاه الرياح. وتؤكّد منظمة الصحة العالمية أنّ الجسيمات PM10 تستطيع الوصول عميقاً إلى الجهاز التنفسي، فيما تستطيع الجسيمات الأدق PM2.5 عبور الحاجز الرئوي والوصول إلى الدم. ويرتبط التعرّض للجسيمات الدقيقة بأضرار تنفسية وقلبية ووعائية، مع حساسية أكبر لدى الأطفال وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة.
لكن لا يمكن علمياً القول إنّ تفجير علي الطاهر أدّى بالفعل إلى ارتفاع محدّد في PM2.5 أو إلى مرض معين من دون قياسات. المطلوب هو نشر محطات متنقلة فوراً في القرى المحيطة لقياس PM2.5 وPM10 وسائر الملوثات ذات الصلة وتحليل عينات الغبار.
هل للتفجير أثر مناخي؟
هنا ينبغي الفصل بين البيئة والمناخ. ليس لدينا أساس علمي يسمح بالقول إن تفجيراً واحداً بهذا الحجم أحدث تغيراً مناخياً قابلاً للقياس. لكن الحروب الممتدة تمتلك بصمة مناخية تراكمية: احتراق الوقود، الحرائق، تدمير الغطاء النباتي والبنى، الركام، ثم الانبعاثات الناتجة عن إعادة الإعمار.
أما محلياً، فالأثر الأهم يتعلق بالنظام البيئي، من حيث تدمير التربة والنبات، واضطراب الموائل الطبيعية، وزيادة قابلية التعرية، واحتمال تغير تصريف المياه السطحية. ولذلك يحذر القانون الدولي الحديث من النظر إلى البيئة باعتبارها مجرد “خلفية” للعمليات العسكرية. وقد اعتمدت لجنة القانون الدولي سنة 2022 سبعة وعشرين مبدأً لحماية البيئة في سياق النزاعات المسلحة، وأحالتها الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى الدول والمنظمات للاسترشاد بها.
مسؤوليتان لا تلغي إحداهما الأخرى
هنا يصل العلم إلى القانون. من جهة أولى، تتحمّل إسرائيل مسؤولية قانونية عن فعل التفجير الذي نفذته. وحتى إذا افترضنا أنّ شبكة الأنفاق كانت هدفاً عسكرياً مشروعاً، فهذا لا ينهي البحث القانوني. فالقانون الدولي الإنساني يطبق مبادئ التمييز والضرورة والتناسب على البيئة الطبيعية أيضاً، ويحظر الضرر البيئي العرضي المفرط قياساً بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة، ويفرض اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب الضرر البيئي أو تقليله. وقد أكدت محكمة العدل الدولية، وفق ما يلخصه الصليب الأحمر، ضرورة أخذ الاعتبارات البيئية في الحسبان عند تقدير الضرورة والتناسب.
لذلك لا يكفي قانوناً القول إنّ “أنفاقاً عسكرية كانت موجودة”. يجب أن يُسأل أيضاً: هل كان تدمير الشبكة بهذه الكيفية والحجم ضرورياً؟ هل دُرست بدائل أقل ضرراً؟ وما الأثر المتوقّع على السكان والبيئة والمياه والتربة؟
ومن جهة ثانية، لا يجوز إعفاء حزب الله من المسؤولية لمجرّد أنّ إسرائيل هي التي نفذت التفجير. إذا ثبت أنّ شبكة عسكرية واسعة أُنشئت داخل المرتفع، مع تخزين أسلحة ومواد عسكرية فيه، فإن تحويل بيئة طبيعية إلى بنية عسكرية دائمة يثير بدوره مسؤوليات قانونية وبيئية. وتزداد المسألة خطورة إذا أدى موقع المنشآت وطبيعتها إلى تعريض البيئة والسكان المحيطين لمخاطر متوقعة. فالقانون الدولي الإنساني لا يحمي البيئة من الطرف المهاجم وحده، وقواعده العرفية توجب مراعاة البيئة الطبيعية في العمليات العسكرية عموماً واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر.
وهنا تظهر قاعدة مهمة: مسؤولية طرف لا تمحو مسؤولية الآخر. لا تستطيع إسرائيل الاحتجاج بوجود منشأة عسكرية لتتحلل تلقائياً من التناسب والاحتياط، ولا يستطيع حزب الله الاحتجاج بالهجوم الإسرائيلي لتجاهل النتائج القانونية المترتبة على عسكرة باطن المرتفع.
من “الأرض المحروقة” إلى ملف إثبات
لبنان نفسه يملك أساساً قانونياً داخلياً للتحرك. فقانون حماية البيئة رقم 444/2002 جعل الوقاية من التدهور والتلوث والأذية والاستعمال المستدام للموارد الطبيعية وتأمين بيئة سليمة من أهداف السياسة الوطنية.
لذلك، المطلوب ليس بيان إدانة بيئية إضافياً، بل ملف علمي-قانوني وطني: مسح جيولوجي للمرتفع والأنفاق المنهارة، تحليل التربة والمياه الجوفية والينابيع، قياس نوعية الهواء، توثيق الغطاء النباتي والتنوع الحيوي قبل الضرر وبعده، وإنشاء قاعدة بيانات مكانية تحدد كل موقع متضرر. والمبدأ 24 من مبادئ لجنة القانون الدولي لعام 2022 يشجّع تحديداً إجراء تقييمات بيئية بعد النزاعات واتخاذ تدابير لمعالجة الضرر.
للجبل أيضاً حقوق يحميها القانون
علي الطاهر ليس مجرّد “موقع استراتيجي” انتقل من يد عسكرية إلى أخرى. إنه كتلة جيولوجية، وخزّان محتمل للمياه، وتربة ونبات وهواء وموطن للإنسان والكائنات. ولذلك فإنّ المسؤولية لا تبدأ ليلة التفجير فقط. من حوّل باطن الجبل إلى منشأة عسكرية يتحمل مسؤوليته عن تعريضه ومحيطه للمخاطر. ومن اختار تدمير تلك المنشأة بتفجير هائل يتحمل مسؤوليته المستقلة عن ضرورة هذا الأسلوب وتناسبه وآثاره.
وقد يكون أهم ما يستطيع لبنان فعله الآن أن يرفض ترك الحقيقة للأطراف المتحاربة. فقبل أن تمحو الأمطار آثار الغبار، وقبل إزالة الركام أو تغيير الموقع، ينبغي أن تدخل إليه فرق علمية لبنانية ودولية مستقلة. لأنّ الضرر البيئي في الحرب قد يبقى بعد توقّف المدافع بعقود. وإذا لم يُقَس اليوم، فلن يكون ممكناً غداً معرفة حجمه، ولا إثبات سببه، ولا تحديد المسؤول عنه، ولا المطالبة بالتعويض.
فالحرب قد تنتهي باتفاق، أما الجبل المكسور والماء الملوث والتربة المتضررة فلا تعترف بوقف إطلاق النار.