معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الحناجر لا تعيد المنازل ولا المقابر

المساعدة البصرية: حجم الخط

في كل بيت مهجور على الحافة الأمامية حكاية أرض وذاكرة سهرة، وفي كل ركام حديث ذاكرة تُطمَس مرتين. هذه شهادة عن تلّة أطلّت يومًا على القرى، واليوم تطلّ على ما تبقى منها.

 

الضيعة كما كانت

في الستينات من القرن الماضي اجتمع والدي وعمّاي الاثنان واشتروا أرضًا في الدبشة، في مرتفع المنارة، يومها كان المبلغ ستمئة ليرة لبنانية. في سنة الألفين تقاسمنا الأرض مع أولاد العم وحصلنا على اثني عشر دونمًا، بمبلغ مئتي ليرة مدفوعة من الوالد. وقتها بدأنا استصلاح الأرض وشقّ الطريق، ثم أقمنا منازل على تلك التلة، وهي أرفع تلة فوق البلدة، مطلّة على منطقة واسعة من القرى. التلة تقع على الخط الأزرق تمامًا. أقمنا بيوتًا، وكنت أقصد منزلي في كل مرة أكون فيها في لبنان.
أسهر هناك، أتقاسم السهرات مع القمر أو أضواء القرى المحيطة. في السهرات أطرب لأصوات ابن آوى من بعيد، وأراقب جرافة أو دورية إسرائيلية. كنت أحاول أن أُسامر أصدقائي ما استطعت.
أما الصباح فكان له رونق آخر. كنت أقف في المدخل وأراقب الضيعة من فوق، وكيف ينسحب غيم الصباح. أراقب صغار الثعالب.
زرعت أشجار الزيتون والتين والرمان. كنت أجلس لساعات أراقب الأشجار وأتمتع بالنظر إلى الصخور العارية. كنا نقطف بعض الزعتر من بين الصخور. متعة الوجود في الضيعة، ولو ليومين فقط، لا توازيها متعة.

ما تبقى منها اليوم

والآن ما يخيف هو أنّ قرى الحافة الأمامية تُجرف بشكل ممنهج، حتّى المقابر أُزيلت. بينما ينهمك ممثلو “السونائي” بنشاطات ترفيهية، من الإفطارات إلى مجالس العزاء أو نشاطات رياضية مختلفة. والأنكى من كل ذلك تلك الزيارات لبعضهم البعض والتباحث بالأزمة ونتائجها.
ما يخيف هو تحوّل القرى الأمامية إلى قضية كقضية القرى السبع. نحن نتعوّد أن ندفن موتانا مرتين، يعني الحزن المضاعف. يزداد حضور “السونائي” في مجالس التأبين، خصوصًا بعد قصر المسافة من بيروت وإليها. ويبدو أنهم “ترحرحوا” بعد رفع معاشاتهم.
أما الإسرائيلي الغاشم فما زال يُزيل القرى الباقية أو بقايا القرى. بالأمس أُزيلت بقايا مستشفى ميس الجبل، الذي يقع مقابل بقايا بيتي. كذلك أُزيلت بقايا مدرسة حولا. تُزال الحياة، أو بقاياها، من وراء النهر.
وما زال “الشباب” بأصواتهم العالية وحناجرهم الفارغة وكروشهم العامرة يُزبدون ويُرعدون، طبعًا من خلف الشاشات.
لا حول ولا قوة إلا بالله!

*نقلاً عن فايسبوك