معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ملف المرفأ يلاعب “الكبار”: هل نرى نوابا ووزراء ورؤساء خلف القصبان؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

بعد ستّ سنوات من التعطيل، انتهى التحقيق في انفجار مرفأ بيروت وعادت المطالعة إلى البيطار. لكنّ الامتحان الحقيقي يبدأ الآن: هل تنفّذ الدولة ما سيقرّره القضاء؟

 

في ٣٠ آذار ٢٠٢٦، أعلن المحقّق العدليّ طارق البيطار انتهاء تحقيقاته، وأحال الملفّ إلى النيابة العامّة التمييزيّة لإبداء الرأي القانونيّ. وفي ١٥ أيلول، عادت المطالعة إلى مكتبه بعد إنجازها، تمهيداً للقرار الاتهاميّ. وبحسب المعطيات القضائيّة المنشورة، يُتوقّع أن يصدر القرار قبل نهاية ٢٠٢٦، على أن يُحال بعدها إلى المجلس العدليّ لبدء المحاكمة.

سؤال المرحلة

لم يعد السؤال فقط: من المسؤول عن انفجار ٤ آب؟
بل: إذا وصل القضاء إلى أصحاب مواقع سياسيّة وأمنيّة وإداريّة نافذة، هل تستطيع الدولة تنفيذ ما سيقرّره؟
هذه هي المرحلة التي قد تجعل القرار الاتهاميّ أصعب من التحقيق نفسه.

مطالعة من ٢٧٠ صفحة و٧٠ مدّعى عليهم

بلغت المطالعة التي أعدّها المحامي العامّ التمييزيّ القاضي محمّد صعب ٢٧٠ صفحة، وفق الوكالة الوطنيّة للإعلام. وهي تتناول مسار النيترات منذ وصولها إلى لبنان وتفريغها وتخزينها في العنبر رقم ١٢، وصولاً إلى الانفجار والمسؤوليّات المرتبطة به. ويشمل الملفّ نحو ٧٠ مدّعى عليهم، بينهم مسؤولون سياسيّون وأمنيّون وعسكريّون وموظّفون، إضافةً إلى أطراف مرتبطة بمسار الشحنة.

أي أنّ القضيّة ليست قضيّة اسم واحد، ولا مؤسّسة واحدة، ولا فريق سياسيّ واحد. إنّها محاولة لإعادة بناء سلسلة كاملة: من عرف بوجود المادّة، ومن عرف بخطورتها، ومن امتلك صلاحيّة التصرّف، ومن تلقّى التحذيرات، ومن أهمل، ومن كان يستطيع منع الكارثة ولم يفعل.

عون في قلب المطالعة

يبرز بقوّة اسم الرئيس السابق ميشال عون. فقد نقلت مصادر قضائيّة أنّ النيابة العامّة طلبت توجيه الاتهام إليه، على خلفيّة علمه بوجود نيترات الأمونيوم وخطورتها وعدم اتّخاذ الإجراءات اللازمة. وتفيد التسريبات بأنّ الطلب يستند إلى إقرار عون العلنيّ بعد الكارثة بأنّه علم بوجود الشحنة قبل أسبوعين من الانفجار. غير أنّ المطالعة ليست حكماً، والبيطار غير ملزم بالأخذ بها، بل يحتفظ بسلطة تقدير الأدلّة وتحديد المسؤوليّات في قراره الاتهاميّ.

ردّ عون مباشرة. ففي ١٦ أيلول، أعلن أنّه تقدّم بشكوى جزائيّة على خلفيّة ما وصفه بـ”اختلاق الأضاليل والافتراء وإفشاء سرّيّة التحقيق”، رافضاً ما نُشر عن مضمون المطالعة، ومؤكّداً أنّ حماية الحقيقة والعدالة تقتضي عدم تحويل التسريبات إلى إدانة مسبقة.

إذا أثبت القضاء مسؤوليّة عون، يجب أن تكون مبنيّة على ما يمكن إثباته في الملفّ، لا على التسريبات. وإذا لم يثبتها، يجب أن يقول القضاء ذلك. والأمر نفسه ينطبق على كلّ اسم آخر، سياسيّاً كان أو أمنيّاً أو عسكريّاً أو إداريّاً، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعل الحكم قابلاً للصمود أمام الطعن والجدل السياسيّ.

لماذا الآن؟

كيف وصل التحقيق إلى هذه المرحلة، بعد سنوات من الشلل؟
تغيّرت البيئة التي أحاطت به بصورة جوهريّة منذ ٢٠٢٥. ففي كانون الثاني وشباط ٢٠٢٥، استأنف البيطار عمله بعد توقّف طويل. وفي ١٠ آذار، ألغى النائب العامّ التمييزيّ جمال الحجّار قرار سلفه غسّان عويدات الذي كان يمنع النيابة العامّة والأجهزة الأمنيّة من التعاون مع البيطار. فعاد إلى المحقّق العدليّ جزء أساسيّ من الأدوات التي يحتاجها، بما فيها طلب الأدلّة وتنفيذ الاستدعاءات ومذكّرات التوقيف.

وهذا ليس تفصيلاً إداريّاً، بل هو أحد مفاتيح الإجابة. فالتحقيق لم يكتشف فجأة أنّ المرفأ انفجر؛ الأدلّة كانت موجودة منذ سنوات، وكذلك الأسماء والأسئلة. الذي تغيّر هو قدرة المؤسّسات على السماح للقاضي باستخدام أدواته.
لكنّ استعادة التحقيق قدرته على العمل لا تعني أنّ الطريق إلى العدالة بات مضموناً.

سنوات من العرقلة

واجه البيطار منذ سنوات دعاوى وطلبات ردّ ومخاصمة، ورفضاً للمثول، وقرارات عطّلت التعاون معه. وبحسب “هيومن رايتس ووتش”، أدّى قرار عويدات عام ٢٠٢٣ إلى وقف تعاون النيابة العامّة والأجهزة الأمنيّة مع البيطار، وإطلاق سراح موقوفين كانوا محتجزين في القضيّة. وبعد استئناف التحقيق، بقي بعض المسؤولين، بينهم النائبان علي حسن خليل وغازي زعيتر، رافضين المثول أمامه.

كما عارض “حزب الله” وحركة “أمل” عمل البيطار وهاجما التحقيق، فيما تحوّلت احتجاجات تشرين الأوّل ٢٠٢١ المرتبطة بالاعتراض عليه إلى مواجهات دامية في الطيّونة. وهذه الوقائع تشرح حجم الصراع حول التحقيق، وإن كانت لا تشكّل بحدّ ذاتها دليلاً على مسؤوليّة أيّ طرف عن الانفجار.
إنّ الدولة التي عجزت عن حماية الناس من كارثة المرفأ، عجزت أيضاً، لسنوات، عن حماية التحقيق الذي يُفترض أن يكشف كيف وقعت الكارثة.

خيوط خارج الحدود

تجاوز مسار التحقيق الحدود اللبنانيّة. ففي كانون الأوّل ٢٠٢٥، رفض القضاء البلغاريّ طلب لبنان تسليم إيغور غريتشوشكين، المرتبط بسفينة “روسوس” التي حملت شحنة نيترات الأمونيوم، بسبب مسألة الضمانات المتعلّقة بعقوبة الإعدام. وواصل القضاء البلغاريّ النظر في القضيّة، ما أظهر أنّ بعض خيوط التحقيق مرتبطة بأشخاص وأصول ووقائع خارج لبنان.
وهذا يعني أنّ العدالة في قضيّة المرفأ ستُختبر في الداخل والخارج معاً: بقدرة القضاء اللبنانيّ على تحديد المسؤوليّات، وبقدرة الدولة على ملاحقة أشخاص ووقائع تتجاوز حدودها.

اشتباك الصلاحيّات

يُضاف إلى ذلك اشتباك الصلاحيّات. فبحسب ما نُقل عن المطالعة، اعتبر صعب أنّ ملاحقة رئيس الحكومة السابق حسّان دياب والوزراء تقع ضمن صلاحيّة المجلس العدليّ، لكنّه رأى أنّ ملاحقة البيطار للقضاة ليست صحيحة قانونيّاً. أمّا رئيس الجمهوريّة السابق، فلا تملك النيابة العامّة صلاحيّة الادّعاء عليه مباشرة، ما يعيد فتح النقاش حول المرجع الدستوريّ المختصّ. وهنا تحديداً قد يتوقّف القضاء أمام الكبار.

ماذا بعد القرار؟

الاختبار الأصعب سيبدأ عند صدور القرار الاتهاميّ، وأمامه أكثر من احتمال. قد يصدر قرار واسع تتحوّل المسؤوليّات التي يحدّدها إلى محاكمات فعليّة. وقد يصدر، لكن تصطدم بعض مفاعيله مجدّداً بالحصانات أو الطعون أو رفض التعاون. وقد تتجزّأ المسؤوليّات بين مستويات مختلفة، فيتحرّك القضاء في اتّجاهات ويتوقّف عند أخرى.
وثمّة احتمال أخطر: أن تتحوّل القضيّة مرّة أخرى إلى ملفّ سياسيّ تتصارع حوله القوى، فيصبح القرار نفسه بداية لمعركة جديدة بدلاً من أن يكون بداية للمحاكمة.

إمتحان الدولة

إذا صدرت مذكّرة توقيف بحقّ شخصيّة نافذة، هل تنفّذها الأجهزة الأمنيّة؟ وإذا رفضت جهة ما التعاون، من يضمن تطبيق القانون؟ وإذا تعرّض القاضي للضغط، من يحمي استقلاله؟ وإذا وصل الملفّ إلى المجلس العدليّ، هل تستطيع الدولة إبقاء المحاكمة خارج منطق التسويات السياسيّة؟

بعد ستّ سنوات، لا يحتاج اللبنانيّون إلى إدانة سياسيّة جديدة، ولا إلى اسم يتحوّل عبر التسريب إلى مذنب قبل المحاكمة. يحتاجون إلى معرفة من عرف، ومن قرّر، ومن أهمل، ومن تدخّل، ومن حاول تعطيل المساءلة، ومن تثبت مسؤوليّته أمام القضاء.
وقد يكون القرار الاتهاميّ خطوة تاريخيّة إذا نقل القضيّة من دائرة الشكوك والتجاذبات إلى دائرة المحاكمة.
لذلك، فإنّ العنوان الحقيقيّ للمرحلة المقبلة ليس “من اتُّهم؟”، بل: هل تستطيع الدولة تنفيذ ما سيقوله القضاء عندما يقترب من الكبار؟

 

إقرأ أيضاً: وليام نون: عرس نجل علي حسن خليل… “مفارقة مقرفة” فوق جراح المرفأ