بين رياضة تتحوّل إلى متنفّس نفسي، وإبر تنحيف تُباع بلا وصفة وتُزوَّر في السوق الموازية، يعيد اللبناني رسم علاقته بجسده تحت ضغط الأزمة.
لم يعد الاهتمام بالصحة، بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، مرتبطًا فقط بوجود مرض أو ظهور عارض صحي طارئ. فالمشي والرياضة والفحوصات الدورية، والانتباه إلى الطعام والوزن، أصبحت جزءًا أكبر من الحياة اليومية لكثيرين.
مايا ووجيه: تجربتان مختلفتان
مايا، في الأربعين من عمرها، تقول إنها لا تعاني من أي مرض، وتحرص على إجراء فحوصات شاملة بين فترة وأخرى للاطمئنان إلى صحتها. لكنها لاحظت في الفترة الأخيرة تغيّرًا في شكل جسمها رغم نحافتها، وظهور بعض الترهّل، ما دفعها إلى الاستعانة بمدرّبة لياقة بدنية في المنزل، وهي مستمرة معها منذ أشهر عدة.
تقول مايا: “لاحظت مع الوقت فرقًا في حالتي النفسية ونشاطي خلال النهار، وأصبحت الرياضة تمنحني شعورًا بالراحة وتساعدني على أن أكون أكثر نشاطًا خلال يومي”.
في المقابل، يمثّل وجيه شمس الدين، الشاب العشريني، نموذجًا مختلفًا. فهو يمارس الرياضة منذ صغره ولا يستطيع التخلي عنها، من البادل إلى كرة السلة، ويتردّد يوميًا إلى النادي. ويقول إنها توفّر له مساحة للراحة النفسية، وتحسّن مظهر جسمه، وتمنحه الطاقة وتساعده على تفريغ التوتر، خصوصًا في ظل الأزمات التي يعيشها الشباب اليوم. ويضيف: “أنصح كل شخص بممارسة الرياضة، فهي مسلّية ومفيدة”.
ثلث البالغين يعانون السمنة
تكتسب هذه التجارب معناها الحقيقي حين توضع أمام الأرقام. فلبنان واحد من تسع دول عربية تجاوزت فيها نسبة السمنة لدى البالغين 30 في المئة، وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وهو أكثر من ضعف المتوسط العالمي البالغ 13.1 في المئة. أي أنّ الاهتمام المتزايد بالجسد يأتي في بلد يعاني فيه نحو ثلث البالغين من السمنة، لا في بلد رشيق يبحث عن الكمال.
من انتظار المرض إلى الوقاية… تحت ضغط الأزمة
في السابق، كان كثيرون ينتظرون ظهور مشكلة صحية قبل التوجّه إلى الطبيب. أمّا اليوم، فأصبحت الفحوصات الدورية والرياضة والغذاء حاضرة حتى لدى أشخاص لا يعانون من مشكلة صحية واضحة.
وللأزمة الاقتصادية دور لا يمكن تجاهله. فمنذ انهيار 2019، ارتفعت حصة ما يدفعه اللبناني من جيبه على الطبابة من 33.1 في المئة عام 2018 إلى أكثر من 85 في المئة عام 2022. ولم يعد الضمان الاجتماعي يغطّي سوى 10 في المئة من كلفة الخدمات الصحية، فيما بات أكثر من نصف السكان بلا أي تغطية صحية، بحسب المركز اللبناني للدراسات. وفي مسح ميداني أُجري في آب 2022، قال 63 في المئة من المشاركين إنهم أجّلوا زيارة الطبيب أو ألغوها رغم المرض، وأوقف 31 في المئة دواءً موصوفًا لهم.
في بلد صار فيه المرض مكلفًا إلى هذا الحد، تتحوّل الوقاية، من المشي إلى الغذاء، إلى ما يشبه الضرورة الاقتصادية، لا الترف الصحي.
مواقع التواصل: وعي وضغط في آن
جزء من هذا التحوّل مرتبط بسهولة الوصول إلى المعلومة عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. غير أنّ لهذا الوصول وجهين: فمن جهة، جعل الناس أكثر وعيًا بأهمية الحركة والغذاء، ومن جهة أخرى، وضع البعض تحت ضغط مستمر بسبب كثرة النصائح والمقارنات.
وتقول مدرّبة اللياقة البدنية فرح فنيش لموقع “الدولة” إنّ “هذا التأثير إيجابي وسلبي في آن واحد، لكن السلبي أكثر حضورًا، خصوصًا عند المراهقين الذين يتأثرون بصور بعض الأشخاص، ويطلبون الحصول على جسم أو بطن مشابه، وقد يبقون بلا طعام في محاولة للوصول إلى ذلك الشكل”. أمّا الجانب الإيجابي، فتلخّصه بأنّ “الناس أصبحوا أكثر اطلاعًا على النظام الصحي والحركة، وكيفية الحفاظ على الجسم والعضل والطاقة”.
متى يبدأ الاهتمام؟
توضح فنيش: “في المجتمع الشرقي، يبدأ الأشخاص بالاهتمام بأجسامهم عندما يتقدّمون في العمر ويزيد وزنهم ويشعرون بالأوجاع. لكننا نلاحظ وجود فئة صغيرة السن بدأت تمارس الرياضة كعادة يومية، وهي ظاهرة جديدة نسبيًا في لبنان”.
وبحسب فنيش، يبدأ الاهتمام الجدّي بالصحة في الثلاثينات، ويصبح أكثر إلحاحًا في الخمسينات حين يخشى الشخص على صحته ويسعى إلى العيش لفترة أطول، “إلّا أنّ الرياضة ليست بعد أسلوب حياة عند اللبناني، إذ لا يزال كثيرون لا يمارسونها بصورة منتظمة”.
الأوجاع وزيادة الوزن… وشبّان بأجساد أربعينية
تشير فنيش إلى أنّ آلام المفاصل وضيق التنفّس وزيادة الوزن من الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى بدء ممارسة الرياضة. وتلفت إلى ملاحظة تصادفها في عملها: شبّان في العشرينات تبدو أجسامهم وكأنهم في الأربعينات، بسبب التدخين والأرجيلة والفيب (Vape)، ما يجعلهم يتعبون بسرعة ويعجزون عن الركض لمسافات.
خسارة الوزن… لكن ليس وحدها
تأتي خسارة الوزن في المرتبة الأولى بين أهداف من يبدأون ممارسة الرياضة، غير أنّ الناس أصبحوا أكثر اطلاعًا على فوائدها الأخرى، من تخفيف التوتر والقلق إلى تحسين النوم.
لكن الاكتشاف الأبرز لدى كثير من اللبنانيين هو أنّ الرياضة ليست مجرد أداة لحرق السعرات الحرارية، بل متنفّس نفسي ومساحة للتخلّص من التوتر اليومي، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتراكمة.
وتصف فنيش الرياضة بأنها “علاج نفسي بديل للأدوية”، ومساحة آمنة للجسد والنفس في آن واحد. وهنا ينبغي التنبيه إلى أنّ الرياضة تبقى داعمًا للعلاج النفسي لا بديلًا عنه، ولا يجوز وقف أي دواء موصوف من دون مراجعة الطبيب.
وتشدّد فنيش على أنّ الرياضة “ليست عصا سحرية”، وأنّ على من يمارسها أن يتعلّق بها لفوائدها بعيدًا عن الاستعجال بالنتائج. وتقول إنها، كمدرّبة، لا تركّز مع من تدرّبهم على إنقاص الوزن بقدر ما تركّز على تقوية الجسم وبنائه بشكل صحيح ومستدام.
لماذا يفضّل اللبناني الرياضة في المنزل؟
تقول فنيش: “الطلب على التدريب في المنزل أصبح كبيرًا جدًا في لبنان، لدرجة أنني لم أعد قادرة على إضافة أشخاص جدد إلى جدولي. الأسباب متعددة: زحمة السير والوقت، إضافة إلى الخصوصية والنظافة. حتى أنا شخصيًا أتمرّن صباحًا في منزلي ولا أذهب إلى النادي”.
ورغم أنّ النادي يوفّر آلات مخصّصة تسهّل التمارين، فإنّ ذلك لا يعني أنّ تمارين المنزل أقل فائدة. فبحسب فنيش، حقّق من تدرّبهم، حتى عن بُعد ومن دول مختلفة، نتائج مهمة، مشيرةً إلى أنّ الرياضة لا تتطلب رفع أثقال كبيرة، وأنّ وزنًا بسيطًا قد يكون كافيًا بحسب هدف كل شخص وحالته، شرط المواظبة والانتظام مع نظام غذائي متوازن.
إبر التنحيف: واحد من كل تسعة
إلى جانب الرياضة، دخلت إبر التنحيف وأدويته بقوة إلى النقاش اليومي. ففي دراسة حديثة شملت عيّنة من اللبنانيين، قال 11.7 في المئة من المشاركين إنهم استخدموا دواءً لإنقاص الوزن خلال الأشهر الاثني عشر السابقة، وكان “أوزمبيك” وحده نصف هذه الحالات. هذا رغم أنّ الدواء مخصّص أساسًا لمرضى السكري من النوع الثاني، وغير معتمد لدى إدارة الغذاء والدواء الأميركية لإنقاص الوزن لدى غير المصابين بالسكري.
والأخطر أنّ نحو 70 في المئة من هؤلاء حصلوا على الدواء من الصيدليات اللبنانية من دون أي عائق، فيما أظهرت دراسة وطنية أنّ 84.7 في المئة من الصيادلة يبيعون منتجات التنحيف دائمًا أو غالبًا. وتخلص الدراسة إلى أنّ هذا الطلب، بوصفة أو من دونها، تسبّب بنقص في توافر هذه الأدوية في السوق، على حساب مرضى السكري الذين يحتاجونها فعلًا.
وكان تحقيق لموقع “لوريان توداي” قد رصد الظاهرة قبل عامين. فأحد الصيادلة قال إنه يتلقّى يوميًا سؤالين أو ثلاثة عن “أوزمبيك”، وإنّ الطلبات تلاحقه حتى في النادي الرياضي. وفي جولة على سبع صيدليات في ضواحي بيروت، لم يتوفّر الدواء إلا في اثنتين، في ظل نقص من الموزّع المحلّي، فيما ازدهرت سوق سوداء موازية.
السوق الموازية: إبرة قد تحتوي إنسولين
هنا يبدأ الخطر الحقيقي. ففي عام 2023، أُصيب 11 شخصًا في لبنان بهبوط حادّ في سكّر الدم، استدعى أحدهم دخول المستشفى، بعد حقنهم بما يُشتبه بأنه “أوزمبيك” مزوّر، بحسب وزارة الصحة. وأوضحت المسؤولة في الوزارة ريتا كرم أنّ الشكوك ثارت لأنّ الجرعات كانت مختلفة عن تلك المعايَرة في الأقلام الأصلية. ونقلت “رويترز” عن مصدر مطّلع على جهود مكافحة التزوير أنّ لبنان ودولًا أخرى في الشرق الأوسط من أكثر الأسواق انتشارًا لأدوية التنحيف المزوّرة. وفي النمسا وبلجيكا، تبيّن أنّ أقلامًا مزوّرة كانت تحتوي على إنسولين بدل المادة الفعّالة.
وفي حزيران 2024، أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا رسميًا من دفعات مزوّرة من “أوزمبيك”، محذّرةً من أنّ استخدامها قد يؤدي إلى جرعات خاطئة، أو تلوّث بمواد ضارّة، أو مكوّنات مجهولة، وقد يشكّل خطرًا على الحياة لأنه يُحقن تحت الجلد. ودعت المنظمة إلى شراء الدواء حصرًا من مورّدين مرخّصين، والتحقق من رقم الدفعة والرقم التسلسلي، والانتباه إلى علامات التزوير: رداءة الملصق وعدم التصاقه جيدًا بالقلم، والأخطاء الإملائية على العلبة.
بين الوعي والهوس
لا يبدو أنّ هناك إجابة واحدة لهذا التحوّل. فهناك وعي متزايد بأهمية الوقاية والحركة، تغذّيه أزمة جعلت المرض ترفًا لا يقدر عليه كثيرون. وفي الوقت نفسه، ثمة تأثير واضح لمواقع التواصل في نظرة الإنسان إلى جسمه، يدفع بعضهم إلى إبرة تُشترى بلا وصفة من سوق لا يعرف أحد مصدرها.
وتبقى تجربتا مايا ووجيه وجهين لهذا التحوّل: واحدة بدأت من ملاحظة بسيطة حول شكل جسمها واكتشفت أنّ الرياضة تتجاوز المظهر إلى الراحة النفسية، وآخر يمارسها منذ الصغر كجزء أساسي من حياته. أمّا السؤال الذي يبقى معلّقًا، فهو: هل يبحث اللبناني عن صحته فعلًا، أم عن أقصر طريق إلى صورة رآها على الشاشة؟
إقرأ أيضاً: “فَقر العامل”: بطالة مقنّعة في رواتب متآكلة