سقطت هيبة الخوف في النبطية، لا ببيانٍ ولا بمقال، بل بأصوات شبابٍ وصبايا قالوها علنًا: لا سلاح إلا سلاح الجيش. ففي المدينة التي قُدِّمت طويلًا حصنًا مغلقًا للحزب، صار التخوين نكتة…
حين صار التخوين نكتة “بايخة”
هل ترون معي أنّ مشهديّة التخويف والترهيب قد ولّت؟ هل ترون معي أنّ هالة التحريض والتخوين أصبحت النكتة “البايخة” في يومنا هذا؟ وهل ترون كيف بات حزب الله وبيئته عاجزَين حتى عن تأليف أيّ دراما كوميدية جديدة يسلّيان بها الناس، من كثرة ما أشبعا السوق المحلي بدرامياتٍ مستهلَكة تعيد نفسها وتكرّر ذاتها، حتى وصلت إلى “البياخة” بلغتنا الدارجة؟
هكذا أصبحتم تشاهدون السياسة اليومية لهذا الحزب، سواءٌ أجاءت من تصريح مسؤول أو نائب أو من الأمين العام، أم من نشطائه المحلّلين، أم من مهرّجي التواصل الاجتماعي كـ”برو”، فلا تفرّق بينهم في المواقف والتهريج والهلوسات، أمام ما جرى ويجري من نكبة كبرى ألمّت بالجنوب والوطن.
من أرض النبطية: لا سلاح إلا سلاح الجيش
لتأتي النكبة الأكثر دمارًا في ما حصل ويحصل خلال زيارة الرئيس سلام لمدينة النبطية وبعدها، حين أصرّت بيئة حزب الله، أو ما تبقّى منها، على الصدام مع الكلمة الحرّة التي خرجت من أبناء المنطقة، وقالت من أرض النبطية: لا نريد إلا الدولة، ولا نريد سلاحًا إلا سلاح الجيش، لا نريد الاحتلال الإسرائيلي ولا نريد سلاح حزب الله.
هذا الكلام لم يقُله فردٌ في مقالة، أو شخصٌ في إطلالة تلفزيونية، بل قاله الشباب من أرض النبطية أمام الجميع، أمام بيئة الحزب نفسها. ومن أرض النبطية، وبأعلى صوت، قالوها: نريد تحرير الأرض عبر المفاوضات، نريد الإعمار عبر المفاوضات. قالها شباب الجنوب وصباياه على الملأ: كفى الجنوبَ حربًا ودمارًا، كفى مصادرةً لقراره وخطفًا لإرادته.
صوتٌ يتدحرج: من 17 تشرين إلى النبطية
من أرض الجنوب والنبطية بدأ صوت الاعتراض وجاهر في زمن القلّة، وواجه قبل الحرب زمنَ فائض القوة والسطوة والصمت. أمّا اليوم، فالصوت يرتفع ويكسر الصمت، يكبر ويتدحرج. لم يظهر في مقابلة أو مقالة، بل كان هناك فدائيون على الأرض.
وشخصيًّا، كم كنتُ، أو كنّا، ممّن جاهروا وتحدّوا وساروا بين سطور القتل والاعتقال والتخوين والإبعاد. فأن ترى ذلك المشهد العلنيّ في هذه الأيام، فهذا يعيدنا إلى بدايات أهداف انتفاضة 17 تشرين: من الجنوب الجريح، التحريرُ والحريةُ بدايةُ بلسمةِ جرح الوطن، نحو وطن، نحو دولة القانون، نحو دولة خالية من السلاح الميليشياوي.
لذلك، فإنّ ما قاله هؤلاء الوطنيون والفدائيون من قلب النبطية يصحّ أن نأخذه عناوين لبرنامج سياسي واضح، في زمن دحرجة الشجاعة والوضوح، لمستقبلٍ ينتظر أجيالنا.
إقرأ أيضاً: حين تصبح الذاكرة “خسائر جانبية”