يتحدّث أبواق ومؤثري الحزب عن احتلال مئة ضيعة وكأنّ الجنوب مجرّد خريطة على طاولة، لا أرض يسكنها بشر، ويروجون للإحتلال لا باعتباره كارثة، بل رقماً قابلاً للنقاش وكلفةً يمكن التعايش معها. فمن منح أحداً حق تسعير بيوت الجنوبيين وأعمارهم سلفاً؟
في مقابلة مع “بوديوم بلس” في ٢٦ أيلول ٢٠٢٦، قالت الصحافية والناشطة المؤيدة لحزب الله سحر غدار: “ويصيروا ١٠٠ ضيعة محتلة، مش بس ٥٠ أو ٦٠، نحنا شفنا سابقاً نتيجة الكفاح المسلح”.
الجملة تستحق التوقف، ليس بسبب الرقم وحده، بل لأن السؤال الأهم هو: ماذا يعني أن يصبح احتلال مئة ضيعة رقماً يمكن التعامل معه ككلفة محتملة؟
الضيعة ليست رقماً
كل ضيعة ليست رقماً. هي بيوت وعائلات ومدارس وأرزاق ومزارعون وأطفال ومسنون وحياة يومية يمكن أن تتوقّف خلال ساعات. وعندما تصبح خسارة هذه الحياة جزءاً عادياً من حسابات الحرب، تصبح المسألة أبعد من السياسة والعسكر: أين تقف قيمة الإنسان داخل القرار؟
هنا تحديداً تقع مسؤولية حزب الله. فهو ليس مجرد مجموعة مقاتلين يتحركون في فراغ، بل تنظيم يملك سلاحاً وقراراً عسكرياً مستقلاً، واتخذ على مدى سنوات قرارات فتح جبهات والدخول في حروب، فيما دفع لبنانيون كثر ثمن نتائجها من دون أن يكونوا شركاء في اتخاذها.
خطاب “حتى آخر نفس”: من يحدد سقف الكلفة؟
الأخطر هو الخطاب الذي يرافق القرار.
في ١٥ آب ٢٠٢٥، قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إنّ المقاومة لن تسلّم سلاحها، وإنها ستخوض “معركة كربلائية إذا لزم الأمر”. وفي تسجيل يعود إلى تموز ٢٠٢٥ وأعيد تداوله في نيسان ٢٠٢٦، وردت عنه عبارة “لو منقتل وما بيبقى ولا واحد منا”، في سياق الحديث عن استمرار المقاومة “حتى ينقطع النفس”.
من المشروع مساءلة هذا الخطاب: عندما تُطرح المعركة كمسار يستمر حتى آخر نفس، أين يوضع سقف الكلفة البشرية؟ ومن يملك حق تحديد أنّ هذه الكلفة أصبحت مقبولة؟
المقاتل الذي يختار حمل السلاح يعرف أنه يقبل مخاطره. أما المدني الذي لم يختر الحرب ثم يجد نفسه نازحاً أو مهدّداً أو خاسراً منزله وعمله، فليس شريكاً في هذا الاختيار. الشهادة، بالنسبة إلى من اختار القتال، قرار فردي. أما التهجير والدمار وفقدان الرزق فهي نتائج جماعية لقرار عسكري لم يشارك المدنيون في اتخاذه.
لذلك لا يمكن لحزب أن يقرر الحرب باسم مجتمع كامل ثم يقرّر وحده أيضاً أنّ الكلفة التي يدفعها هذا المجتمع مقبولة.
وهذا لا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن قتل المدنيين وتدمير الممتلكات أو ارتكاب الانتهاكات. مسؤولية إسرائيل عن أفعالها قائمة بذاتها. لكن مسؤولية إسرائيل لا تلغي مسؤولية حزب الله عن القرارات التي يتخذها، كما لا تلغي مسؤولية الدولة اللبنانية عن عجزها عن احتكار قرار الحرب والسلم.
من ٢٠٠٦ إلى “جبهة الإسناد”: قرارات أكبر من حساباتها
التجربة نفسها تحمل أمثلة واضحة. في ٢٠٠٦، وبعد أسر الجنديين الإسرائيليين، قال حسن نصرالله لاحقاً إنه لو كان يعلم أنّ العملية ستؤدي إلى الحرب التي وقعت، لما أقدم عليها، وهو اعتراف بأنّ القرار العسكري قد يحمل نتائج تتجاوز بكثير التقدير الأولي لمن اتخذه.
وفي ٧ أيار ٢٠٠٨، استخدم الحزب القوة داخل لبنان دفاعاً عن شبكة اتصالاته وقراره الأمني. ثم توسّع دوره العسكري إلى سوريا تحت عنوان حماية “ظهر المقاومة”، وصولاً إلى “جبهة الإسناد” في غزة، التي تحمّل لبنان وجنوبه كلفة بشرية ومادية كبيرة.
حتى مسألة النشاط العسكري في المناطق المأهولة تحتاج إلى دقة. توثيقات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش، أثبتت وجود أسلحة وذخائر وإطلاق صواريخ من مناطق مأهولة خلال حرب ٢٠٠٦، وإنّ وجود نشاط عسكري في بيئة مدنية يعني، في الحد الأدنى، أنّ خطر تعرّض المدنيين للكلفة كان متوقعاً.
المغزى من هذه الأمثلة هو إبقاء السؤال نفسه في الواجهة: هل يمكن اعتبار حياة الناس تفصيلاً ثانوياً أمام استمرار المعركة؟
البديل: قوة تُقاس بمن تحميهم
لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: كم ضيعة يستطيع الناس أن يتحملوا خسارتها؟
السؤال يجب أن يكون: كم حياة استطاعت القوة أن تحميها؟
البديل عن خطاب “حتّى آخر نفس” ليس الاستسلام، بل إعادة تعريف وظيفة القوة: حماية المدنيين أولاً، وربط قرار الحرب والسلم بمؤسسات الدولة، وجعل أي قرار عسكري خاضعاً للمساءلة، واعتبار حياة الناس جزءاً من تعريف النجاح، لا تفصيلاً يُبحث بعد انتهاء المعركة.
فإذا أصبحت مئة ضيعة ثمناً مقبولاً، فالمشكلة لم تعد فقط في عدد القرى التي قد تُحتل. المشكلة في السؤال الأعمق: متى تصبح حياة اللبنانيين نفسها كلفة عادية في حسابات من يقرر الحرب؟
المعيار في النهاية لا يجب أن يكون كم أرض خسرنا ونحن نقول إننا نقاوم، بل كم إنساناً استطعنا أن نحميه ونحن نقول إننا ندافع عنه.
إقرأ أيضاً: النبطية: “زمن الأوّل تحوّل”… والتخوين صار نكتة