معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الانتهاك الإيراني المزدوج لسيادة لبنان

المساعدة البصرية: حجم الخط

بين 200 مليون دولار تقول “رويترز” إنها وصلت وتنفي واشنطن وصولها، وجنرالٍ يظهر فجأةً على ضفة النهر واعداً بحربٍ حتى القدس، تجد الدولة اللبنانية نفسها مجدداً أمام السؤال الأصعب: من يملك قرار المال والحرب على أرضها؟

 

كأنه صاروخ باليستي إيراني سقط على لبنان، وتزامن سقوطه مع تسلّل ما يشبه “مسيّرة” إيرانية إلى نهر الليطاني، خطِّ الجبهة التي لا تريد طهران إقفالها، ولا تسلّم بأنها صارت أرضاً غير صالحة للقتال.

صاروخ مالي عابر للأجواء

“الصاروخ” المشار إليه هو عبارة عن مبلغ مالي ضخم، قدّرته وكالة “رويترز” بـ200 مليون دولار، عبَر الأجواء اللبنانية ووصل إلى حزب الله، الذي سينفقه على إيواء النازحين الجنوبيين، بمعدل ثلاثة آلاف دولار لكل عائلة، بحسب الوكالة، ووفق برنامج وعد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم الشهر الماضي بإعلانه قريباً.
لكن وزارة الخارجية الأميركية سرعان ما أحبطت آمال النازحين، الذين طال انتظارهم لبدلات الإيواء الموعودة من الحزب، عندما نفت صراحةً وصول هذا المبلغ إلى لبنان، واتهمت الوكالة ضمناً بنشر أكاذيب تخدم مصلحة الحزب وتحفظ ماء وجهه أمام جمهوره.. في خروج لافت عن السياسة الأميركية القائمة على تفكيك الحزب وتجفيف موارده المالية، من دون التدخل العلني المباشر في علاقته “النقدية” المضطربة مع بيئته.

واشنطن تحرس “سمعة” الحزب؟

لكن يبدو أنّ الخارجية الأميركية كانت تدافع أيضاً عن صورتها، وعن حملتها على الحزب، وجدوى العقوبات التي تفرضها على أفراده ومؤسساته كافة، والإنجازات التي حققتها حتّى الآن، عندما أصدرت بيانها الذي يتهم الحزب بخداع جمهوره بالحديث عن أموال “غير موجودة”، من دون أن توضح ما إذا كانت هناك بالفعل محاولة إيرانية لنقل هذه الأموال إلى لبنان، أُحبطت في الشهر الماضي!
غير أنّ الحرص الأميركي المفاجئ على “سمعة” الحزب المالية سيكون له مردود عكسي لدى جمهوره، الذي سيحمّل واشنطن مسؤولية عدم وصول أموال الإيواء المرتقبة التي وعد بها الشيخ نعيم ونشرت تفاصيلها وكالة “رويترز”.. لكنه سيمنح الحزب مبرراً لعدم دفع هذه الأموال التي لم تصل، والتي صارت أشبه بوعدٍ مقطوع غير قابل للتنفيذ، و”حوالة مالية” تستحق عندما تُرفع العقوبات عن إيران!
البحث عن هذا المبلغ الضخم، بالحسابات الإيرانية الحالية، لن يوقفه بيان الخارجية الأميركية ولن ينفيه. فالحزب كان وسيظل مطالَباً ببدل الإيواء، وكذلك ستظل إيران مطالَبة بدفع ضريبة الحرب التي ورّطت بها لبنان، كما ستظل مدعوّة إلى تحويل تلك الضريبة إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها المالية التي تتولى عمليات الإيواء.

وضوءٌ على خط النار

أما “المسيّرة” الإيرانية المذكورة آنفاً، فهي عبارة عن هبوط القائد العسكري في الحرس الثوري الإيراني العميد حسين يكنا المفاجئ على ضفة نهر الليطاني قبل أيام، حيث وُزّع شريط فيديو له وهو يتوضأ بمياه النهر، ويَعِد باستمرار الحرب حتى تحرير القدس. لا أحد يعرف حتى الآن كيف دخل العميد الإيراني إلى لبنان، وكيف وصل إلى الليطاني، ولماذا قرر الوضوء العلني بمياهه. لكن الجميع يدرك أنّ تلك الخطوة الإيرانية، التي تمّت في الخفاء وبعيداً عن أعين قوات الاحتلال الإسرائيلي، ولكن ليس بالضرورة بعيداً عن كاميرات مسيّراته التي لا تخطئ، هي تأكيد جديد على الوجود المستمر للحرس الثوري على الجبهة الجنوبية (بما يتعارض مثلاً مع وجوده غير المعلن على جبهات اليمن)، ما يعني أنّ الحملة العسكرية الإسرائيلية ستستمد زخماً جديداً للمضيّ قدماً حتى إزالة أي أثر للحياة جنوب الليطاني وشماله.
ولا يمكن لأحد أن ينكر أنّ إعلان وجود الحرس الإيراني على نهر الليطاني، ومبلغ الـ200 مليون دولار الضائع، يشكّلان انتهاكاً إيرانياً فاضحاً لسيادة الدولة اللبنانية، الأمنية والمالية على حدّ سواء، ويقوّضان صدقيتها في السعي إلى فرض سلطتها على كامل الأراضي الجنوبية، ويضعانها أمام اختبار جديد لا يقع خارج اتفاق “الإطار الثلاثي” المتعثّر أو المؤجّل، لكنه يتطلب مراجعة جديدة لطبيعة العلاقات مع إيران، التي آن الأوان لقطعها، أو لخفضها إلى مستوى يحول دون ضرب لبنان بصاروخ مالي باليستي، أو بمسيّرة تستهدف الوضوء على نهر الليطاني.

 

*نقلاً عن فيسبوك