معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

أوروبا في الشارع: جيل الـTikTok أكثر تسييساً من جيل 1968؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

قيل فيه الكثير: جيل التيك توك وانتباه الثواني المعدودة. جيل يتّكل على الذكاء الاصطناعي في التفكير والكتابة. كسول، سطحي، منفصل عن الواقع، لا يقرأ ولا يهتم بالسياسة. هكذا رسمته الدراسات والتحليلات طوال عقد كامل… لكنّه اليوم يهزّ أوروبا قبل أن يبلغ سنّ 18…

 

إنه خريف 2026:

في أسبوع واحد، امتلأت شوارع باريس وبروكسل وروما ولشبونة وبراتيسلافا وتيرانا بتظاهرات يقودها تلامذة وطلاب قبل الأحزاب والنقابات. القارة التي اعتادت تصدير الاستقرار إلى العالم تعيش خريفاً ساخناً، والجيل الذي قيل إنه أسير الشاشات حوّل هذه الشاشات نفسها إلى أداة تعبئة، نقلت الغضب من مدينة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر في أيام.

المشهد يذكّر كثيرين بأوروبا ستينات القرن الماضي. لكن التشابه في الصورة يخفي اختلافاً عميقاً في المضمون: هذا جيل يحتجّ على الغلاء لا على الملل، وقد يكون الأكثر تسييساً بين كل أجيال القرن الماضي، والأسرع نمواً سياسياً.

خريطة الغضب

انطلقت الشرارة من فرنسا. بدأت الاضطرابات الشهر الماضي احتجاجاً على تمويل التعليم وأوضاع المدارس، قبل أن تتسع إلى حركة أشمل تتمحور حول اللامساواة والإنفاق العام ومستوى المعيشة. وتجاوز عدد الموقوفين منذ بدء الاحتجاجات 6500 شخص، معظمهم قاصرون. ثم جاء يوم 17 تشرين الأول ليضيف طبقة جديدة: حراك وُلد على مواقع التواصل احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات ثم الغلاء عموماً، وتبلور مع تظاهرات التلامذة، مستعيداً رمزية “السترات الصفراء” بعد ثماني سنوات على انطلاقتها.

في بلجيكا، نفّذت الشرطة 139 توقيفاً على الأقل في لييج، وتظاهر مئات الشبان في بروكسل يوم السبت مع صدامات مع الشرطة، في اضطرابات مستوحاة جزئياً من فرنسا. وفي إيطاليا بدأ احتلال الثانويات في تورينو وروما تحت شعار “لنفعل كما في فرنسا”. وفي البرتغال خرج الآلاف في لشبونة وبورتو ضد غلاء المعيشة وأسعار السكن، بتنظيم منصة تحمل اسم “هكذا لا يمكن العيش”.

أما ألمانيا فتعيش منذ أشهر حراكاً طلابياً من نوع آخر، ضد الخدمة العسكرية الجديدة وشبح عودة التجنيد الإجباري، وبلغ ذروته بخروج نحو 50 ألف تلميذ في أكثر من 130 مدينة.

وفي الشرق الأوروبي يأخذ الغضب طابعاً سياسياً مباشراً. في براتيسلافا توحّدت خمسة أحزاب معارضة في تجمع مشترك، وارتفعت هتافات “كفى فيتسو”. وفي تيرانا قادت مجموعات طلابية تطالب بإصلاح التعليم الاحتجاجات، وانضمت إلى “حركة الفلامينغو” التي تطالب باستقالة رئيس الوزراء إدي راما بسبب اتهامات فساد، وترفض مشروعاً سياحياً فاخراً مرتبطاً بشركة أسسها جاريد كوشنر.

ورغم هذا الامتداد، لا تشكّل الاحتجاجات حركة أوروبية واحدة منسّقة، بل تحرّكات متوازية حول هموم مشتركة.

ظلّ 1968

المقارنة مع الستينات تفرض نفسها. في أيار 1968 بدأ الأمر بطلاب جامعة نانتير والسوربون، ثم تحوّل إلى أكبر إضراب عام في تاريخ فرنسا، شلّ البلاد وهزّ حكم الجنرال ديغول. وفي ألمانيا الغربية قاد الطلاب حركة ضد حرب فيتنام وضد صمت جيل الآباء عن الماضي النازي. وفي إيطاليا امتد الغضب الطلابي إلى المصانع في “الخريف الساخن” عام 1969. وفي براغ كان الربيع حلماً بالحرية سحقته الدبابات السوفياتية.

القواسم المشتركة واضحة: الشباب في المقدمة، المدرسة والجامعة نقطة الانطلاق، رفض العسكرة، وقطيعة بين جيل وآخر. شعار “التعليم بدل القنابل” الذي رفعه تلامذة ألمانيا هذا العام هو ابن شرعي لشعارات “اصنعوا الحب لا الحرب”.

لكن الفوارق أعمق من التشابه:

أولاً، احتجاجات 1968 خرجت من رحم الوفرة. كانت أوروبا في ذروة “الثلاثين المجيدة”، والشباب يتمردون على مجتمع استهلاكي مشبع ومحافظ. وانضم حينها عمال رفعوا شعارات قضايا الأجور وظروف العمل والتفاوت الاجتماعي والسلطة داخل الجامعات والمصانع.

أما احتجاجات اليوم فخارجة من رحم الندرة: محروقات وإيجارات وتكاليف تعليم. جيل 68 أراد تغيير الحياة، وجيل 2026 يريد فقط أن يتمكن من العيش.

ثانياً، حمل جيل الستينات يوتوبيا أيديولوجية، ماركسية ويساراً جديداً ومعاداة للإمبريالية. جيل اليوم بلا عقيدة جامعة وبلا قيادة، وغضبه دفاعي لا هجومي.

ثالثاً، تحرّكت الستينات عبر المنشورات والجمعيات العامة والتلفزيون الناشئ. اليوم تتحرك عبر تيك توك، وهي الأداة التي ظُنّ أنها ستخدّر هذا الجيل فإذا بها تعبّئه. لكن في ذلك قوة وهشاشة معاً. فبعض الوجوه التاريخية للسترات الصفراء قالت إنها لا تعرف مصدر الدعوات، التي استندت جزئياً إلى صور لمحتجين مولّدة بالذكاء الاصطناعي. حراك بلا عنوان يسهل أن يُركب أو يُخترق.

رابعاً، وهو الأهم، كان شباب 68 ضد حرب بعيدة في فيتنام. شباب 2026 يرفضون دفع ثمن إعادة تسليح القارة في مواجهة حرب قريبة على حدودها. هنا يصبح السؤال القديم “المدافع أم الزبدة” سؤالاً وجودياً لأوروبا.

جيل الشاشة يخيّب التوقعات

الجيل الذي قيل إنه لا يقرأ، يقرأ اليوم موازنات حكوماته ويحاسبها على أولويات الإنفاق. الجيل الذي قيل إنه لا يهتم إلا بنفسه، يربط بين سعر الوقود ومقعد الدراسة وميزانية التسلح وصفقات العقارات الفاسدة. والجيل الذي اتُّهم بأنه أسير الشاشات، حوّلها إلى منصة تعبئة عابرة للحدود.

والأرقام تفضح خطأ التوقعات. معظم الموقوفين في فرنسا قاصرون، أي أن من يواجه الشرطة اليوم هم تلامذة ثانويات في الخامسة عشرة والسادسة عشرة. جيل 1968 كان جيل جامعات في العشرينات من عمره، احتاج سنوات من القراءة والحلقات الحزبية والنقاش الأيديولوجي ليصل إلى الشارع. أما جيل اليوم فيبلغ نضجه السياسي في سنّ أبكر وبسرعة أكبر، لأن المعلومة والمقارنة والتجربة الحية لأقرانه في البلدان الأخرى تصله لحظة بلحظة.

بهذا المعنى، قد يكون هذا الجيل الأكثر تسييساً بين كل أجيال القرن الماضي، والأسرع نمواً سياسياً. لم ينتظر أحزاباً تؤطّره ولا نقابات تقوده، بل سبقها وجرّها خلفه. وما ظنّه المحللون كسلاً لم يكن إلا رفضاً للأطر التقليدية للسياسة، لا للسياسة نفسها.

ماذا يعني ذلك لنا وللعالم؟

على المستوى الدولي، أخطر ما في هذا المشهد أنه يضرب أوروبا في لحظة قررت فيها رفع إنفاقها الدفاعي لمواجهة روسيا. كل حكومة تواجه شارعاً غاضباً من الغلاء ستتردد في تمويل الجيوش ودعم أوكرانيا. والمستفيد الأول هو فلاديمير بوتين، ومعه التيارات الشعبوية في طرفي الطيف، من اليمين المتطرف إلى اليسار الراديكالي. ونموذج سلوفاكيا، حيث حكومة قريبة من موسكو في مواجهة معارضة موالية لأوروبا، يختصر الانقسام الذي قد يتسع.

أما الشرق الأوسط فسيشعر بالارتدادات من ثلاث بوابات:

الأولى، انكفاء أوروبا نحو الداخل. قارة منشغلة بشوارعها وموازناتها ستقلّص اهتمامها ومساعداتها الخارجية. ولبنان تحديداً، الذي يعوّل على الدعم الأوروبي للجيش وللإعمار ولمسار استعادة الدولة، قد يجد الأبواب أضيق مما يتوقع.

الثانية، الطاقة. احتجاجات انطلقت من سعر المحروقات تجعل أوروبا أكثر حساسية لأي اضطراب في الخليج ومضيق هرمز. وهذا يمنح طهران ورقة ابتزاز إضافية، ويجعل استقرار المنطقة مصلحة أوروبية داخلية لا مجرد ملف سياسة خارجية.

الثالثة، الهجرة والخطاب الشعبوي. حين تضيق الأحوال يبحث الشارع عن كبش فداء، واللاجئون والمهاجرون من منطقتنا هم الهدف الأسهل. أي صعود شعبوي، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، سينعكس تشدداً في سياسات اللجوء.

في أوروبا، يتظاهر الشارع فتسمعه الدولة، وتحسم صناديق الاقتراع الخلاف. ديغول نفسه، بعد أن هزّه أيار 1968، احتكم إلى الانتخابات وفاز. أما في منطقتنا فالشارع إما سُحق أو صادرته الميليشيات.

وهي مفارقة لافتة وصدفة جديرة بالانتباه، أن يختار الفرنسيون 17 تشرين الأول موعداً لعودة غضبهم، وهو التاريخ نفسه الذي نزل فيه اللبنانيون إلى الشوارع عام 2019، قبل أن تتكفّل قوى السلاح بإطفاء انتفاضتهم.