حين يقول حسن فضل الله إنّ متفجرات ضهر البيدر كانت مخصّصة لمواجهة إسرائيل، ثم يتّهم رئيس الحكومة نواف سلام بإثارة الفتنة، وحين يعترض الحزب على دخول دورية أمنية إلى مستودع أدوية في غاليري سمعان لأنها لم تعتمد “الآلية المتفق عليها” معه، فهو لا يقدّم تفسيراً أمنياً فحسب. إنه يطلب من اللبنانيين تصديق رواية الحزب، وتعليق ذاكرتهم السياسية عند الحاجز الذي ضُبطت عليه الشحنة، والتسليم بأنّ دخول الدولة إلى أراضيها يحتاج إلى إذن مسبق منه.
المشكلة ليست في إعلان الحزب أنّ المتفجرات موجّهة إلى إسرائيل، بل في مطالبته بالثقة المطلقة، رغم تاريخ تحوّل فيه السلاح، كلما تعارضت إرادته مع الدولة أو خصومه، إلى أداة ضغط داخلي. فالشحنة التي ضمّت نحو ٧٨٠ كيلوغراماً من المتفجرات، بينها TNT وC4، كانت تُنقل من البقاع نحو بيروت، فيما بقيت وجهتها النهائية موضع تساؤل. وهذا ما يجعل المطالبة باستعادتها قبل كشف مهمتها أمراً يستوجب التحقيق لا التسليم.
٧ أيار: سلاح “المقاومة” في شوارع بيروت
ولفهم سبب عدم كفاية رواية فضل الله، يكفي الرجوع إلى ٧ أيار ٢٠٠٨. يومها لم يكن السلاح موجّهاً إلى إسرائيل، بل ظهر في شوارع بيروت خلال مواجهة سياسية داخلية، وانتهى الأمر بفرض وقائع بالقوة. كانت تلك لحظة كشفت أنّ السلاح الذي يُقدَّم بوصفه ضمانة وطنية يمكن أن يتحوّل، عندما تتصادم الإرادات، إلى أداة لتعديل ميزان السلطة.
وامتد الضغط إلى معارك تشكيل الحكومات وإسقاطها، وصولاً إلى حكومة حسان دياب التي تشكّلت بعد استقالة سعد الحريري وفي ظل مقاطعة قوى أساسية. لا يعني ذلك أن حزب الله اتخذ منفرداً كل قرار، لكنه كان أحد أبرز مراكز القوة في إدارة السلطة وبقائها. وعندما يؤثر تنظيم مسلّح في الحكومة، ثم يرفض الخضوع الكامل لقرارها في شؤونه العسكرية، يصبح السؤال عن معنى الدولة عملياً: مَن يملك القرار الأخير، المؤسسات أم السلاح؟
خطوط حمراء… لمن؟
وفي عام ٢٠٠٧، وضع حسن نصر الله دخول الجيش إلى مخيم نهر البارد لمواجهة “فتح الإسلام” في خانة الخطوط الحمراء، محذّراً من توسيع المواجهة. ومهما كانت دوافع موقفه آنذاك، فقد كرّس منطقاً خطيراً: أنّ للتنظيم المسلّح حقّ الفيتو على قرارات الدولة الأمنية، وأنّ تحرّك الجيش يمكن أن يصبح مشروطاً بخطوط حمراء يضعها طرف خارج مؤسساتها. وهذا جوهر الفتنة حين تصبح سيادة الدولة رهناً بإذن من يملك السلاح.
الشارع ممنوع من الاعتراض؟
وفي انتفاضة ١٧ تشرين، تعرّضت مواقع احتجاج لهجمات من مجموعات مؤيدة لحزب الله وحركة أمل، شملت الاعتداء على متظاهرين وإحراق خيام. وثّقت منظمة العفو الدولية اعتداءات على مخيمات الاحتجاج في بيروت وصور. لم يكن المتظاهرون يواجهون إسرائيل، بل يطالبون بمحاسبة الطبقة السياسية، بما فيها القوى التي يحميها الحزب أو يشارك في السلطة معها. ولا يثبت ذلك أن قيادة الحزب أصدرت أمراً بكل اعتداء، لكنه يكشف كيف تحوّل الشارع نفسه إلى ساحة صراع على حق اللبنانيين في الاعتراض.
حين يصبح القضاء مصدر إزعاج
ويتكرر المنطق عندما يصبح القضاء مصدر إزعاج. ففي تحقيق انفجار مرفأ بيروت، واجه المحقق العدلي طارق البيطار ضغوطاً سياسية متواصلة، ونقلت تقارير أنّ وفيق صفا هدّده بإبعاده عن التحقيق. وفي ١٤ تشرين الأول ٢٠٢١، سبق تحرك لحزب الله وحركة أمل ضد القاضي اشتباك الطيونة الذي أوقع قتلى وجرحى. وهكذا خاض الحزب الذي يرفض تسييس ملف المتفجرات مواجهة سياسية مفتوحة حول تحقيق لم يرضَ عن مساره.
وفي قضية اغتيال رفيق الحريري، استخدم نصر الله خطاباً تمجيدياً في الدفاع عن المتهمين، واصفاً إياهم بالقديسين. وقد أدانت المحكمة الخاصة بلبنان أفراداً في القضية، من دون أن تثبت أن قيادة الحزب أصدرت أمراً مباشراً بالاغتيال. ومن هذا المنطلق، تبرز المشكلة السياسية: حين يتحوّل الولاء التنظيمي إلى حصانة معنوية، كأن الانتماء إلى “المقاومة” يسبق حق الضحايا في العدالة.
من دمشق إلى صنعاء: لبنان مجرّد جبهة؟
وخارج لبنان، شارك الحزب عسكرياً في الحرب السورية دفاعاً عن نظام بشار الأسد، ثم واصل العمل ضمن شبكة إقليمية تقودها إيران. وفي اليمن، ارتبط اسمه بتدريب الحوثيين ودعم قدراتهم العسكرية. لم تعد الصورة صورة حزب محلي بمهمة دفاعية محدودة، بل قوة تعمل ضمن استراتيجية إقليمية تتجاوز حدود لبنان. وقد جعل هذا الدور الحزب يتعامل مع الداخل اللبناني كامتداد لجبهة إقليمية، لا كوطن ذي سيادة مستقلة. وعندما يُقدَّم الخصم السياسي ضمن سردية معركة أبدية بين معسكري الحسين ويزيد، يتحوّل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي يصعب فيه قبول التراجع.
غاليري سمعان: “آلية” مَن؟
ويتكرّر منطق “الخطوط الحمراء” نفسه، لكن على مستوى الحيّ هذه المرة. ففي غاليري سمعان، حاول شبان على دراجات نارية منع دورية من المباحث الجنائية المركزية من تنفيذ استنابة قضائية لضبط أدوية غير صالحة. وتحدّثت قناة “الجديد” عن مسلحين عرّفوا عن أنفسهم بأنهم مؤيدون لحزب الله، ولم ينسحبوا إلا بعد وصول الجيش. أمّا الحزب، فنفى صلته بالمستودع، لكنه عزا الإشكال إلى تنفيذ المداهمة “دون اعتماد الآلية المتفق عليها” معه في “منطقة ذات حساسية أمنية”. وتتجاوز هذه اللغة، تبرير حادثة عابرة: فهي تجعل تنفيذ قرار قضائي في الضاحية مشروطاً بتنسيق مسبق معه، وتوحي بتمسّكه بحقبة التنسيق الأمني التي سادت أيام الحكومات التي كان يمسك بمفاصلها. ويتجاهل الحزب أنه يخاطب بهذا المنطق حكومة اتخذت قراراً باعتبار نشاطاته خارجة عن الشرعية. وبذلك لم تعد “الآلية” التي يطالب بها قائمة في منطق الدولة، بل في منطقه وحده.
مَن يثير الفتنة إذاً؟
في ضوء هذا السجل، يصبح اتهام نواف سلام بإثارة الفتنة قلباً للوقائع. فالفتنة لا تبدأ عندما تضبط الدولة متفجرات وتفتح تحقيقاً، بل حين يحتفظ طرف بسلاح خارج قرارها، ويضغط على قضائها، ويعترض أجهزتها الأمنية، ويواجه خصومه، ثم يعتبر مساءلته اعتداءً عليه. وليس ضرورياً أن يعلن حرباً أهلية صراحة، يكفي أن يذكّر الآخرين باستمرار بأن كلفة مخالفة إرادته قد تكون مرتفعة.
لذلك، لا يجوز أن تنتهي قضية ضهر البيدر عند عبارة “المتفجرات لمواجهة إسرائيل”. إن كانت هذه مهمتها، فليثبت التحقيق ذلك عبر مسار الشحنة وهوية من أمر بنقلها والجهة التي كانت ستتسلّمها. وإن كانت معدّة لعمل داخل لبنان، فالمطلوب كشف الشبكة والقرار والهدف، لا الاكتفاء بمصادرة الحمولة.
ذاكرة لا تبدأ عند الحاجز
الفتنة ليست في السؤال عن المتفجرات، الفتنة أن يملك طرف مسلّح حقّ نقلها والاحتفاظ بها خارج قرار الدولة، ثم يطالب الدولة بالصمت. ذاكرة اللبنانيين لا تبدأ عند حاجز ضهر البيدر، ولا تنتهي عند تصريح حسن فضل الله. من ٧ أيار إلى الضغط على القضاء ومواجهة الاحتجاجات، وصولاً إلى غاليري سمعان، هناك سجلّ يجعل احتمال الاستخدام الداخلي سؤالاً مشروعاً، ويجعل كشف الحقيقة واجباً لا يجوز التنازل عنه.