معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الدستور المُعطَّل: مَن يُحاسب السلطة حين تمتنع عن تنفيذه؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

تُعطّل السلطة الدستور أحياناً من دون أن تمسّ حرفاً منه، إذ يكفيها أن تمتنع عن تنفيذه حتى يتحوّل النص الملزم إلى وعدٍ مؤجّل. فمَن يُحاسب سلطةً لا تنكر أحكام الدستور، بل تتركها معلّقة إلى أجل غير مسمّى؟

 

ليست مخالفة الدستور دائماً فعلاً ترتكبه السلطة، فقد تكون امتناعاً عن فعل ما أوجبه عليها. وقد لا تحتاج السلطة إلى إصدار قانون مخالف للدستور كي تُعطِّله، يكفي أحياناً أن تُبقي أحكامه معلّقة، وأن تمتنع عن اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذها، حتى يتحوّل النص الدستوري، مع مرور الزمن، من قاعدة ملزمة إلى إعلان نوايا، ومن التزام قانوني إلى وعد سياسي مؤجّل.
والأخطر أنّ هذا التعطيل قد يتمّ تحت مظلّة الدستور نفسه، من دون إعلان الخروج عليه أو المجاهرة بمخالفته. فالسلطة التي لا تستطيع إلغاء حكم دستوري، قد تجد في الامتناع عن تنفيذه وسيلةً لإفراغه من مضمونه، من دون تحمّل التبعات القانونية التي قد تترتب على مخالفته الصريحة.
من هنا تنشأ إشكالية قانونية تتجاوز حدود الجدل السياسي: هل يُشكّل امتناع السلطات العامة عن تنفيذ الدستور مخالفة دستورية قائمة بذاتها؟ وإذا كانت السلطة تستمد شرعيتها من الدستور، فهل يجوز لها أن تختار من أحكامه ما تنفّذه، وأن تترك ما لا يلائمها معلّقاً إلى أجل غير مسمّى؟

مخالفة الدستور بالفعل… وبالامتناع

يقوم مبدأ سموّ الدستور على خضوع جميع السلطات لأحكامه، فلا يجوز للمشرّع إصدار قوانين تناقضه، ولا للسلطة التنفيذية اتخاذ قرارات تتجاوز صلاحياتها الدستورية. غير أن هذا الخضوع لا يقتصر على واجب الامتناع عن المخالفة، بل يشمل أيضاً الالتزام الإيجابي بتنفيذ الأحكام التي تفرض على السلطات اتخاذ تدابير محددة.
وقد تطوّر في الفقه الدستوري المقارن مفهوم “عدم الدستورية بالامتناع” (Unconstitutionality by Omission)، الذي يقوم على اعتبار التقاعس عن اتخاذ تدبير يوجبه الدستور صورةً محتملة من صور مخالفته. غير أنّ الدقة القانونية تقتضي التمييز بين النصوص المباشرة النفاذ، والنصوص التي تحتاج إلى تدخل تشريعي، والأهداف الدستورية التي يُترك تحقيقها لهامش من التقدير السياسي. فليس كل تأخير مخالفة دستورية، كما أنّ عدم تحقيق هدف دستوري لا يعني بالضرورة الإخلال بالتزام قانوني محدد.
وتتبلور المخالفة بالامتناع عندما يفرض الدستور واجباً واضحاً على سلطة معينة، ويكون تنفيذ هذا الواجب مستحقاً وممكناً قانوناً، ثم تمتنع السلطة عن أدائه من دون مبرر دستوري مشروع. وهنا يبرز فارق أساسي بين حرية السلطة في اختيار وسائل التنفيذ، وبين ادعائها حرية عدم التنفيذ. فالأولى قد تدخل في نطاق سلطتها التقديرية، أما الثانية فلا يجوز افتراضها متى كان النص الدستوري قد فرض عليها التزاماً ملزماً.

الدستور اللبناني: انتقال دستوري بلا نهاية؟

يقدّم الدستور اللبناني مثالاً بالغ الدلالة، ولا سيما في الأحكام التي أُدخلت بموجب تعديلات عام 1990. فالمادة 95 لم تكتفِ باعتبار إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً أساسياً، بل أوجبت على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وفق خطة مرحلية، ونصّت على تشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم رئيسَي مجلس النواب والحكومة وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية.
وهذا النص يفرض التمييز بين الالتزام بتحقيق النتيجة النهائية، أي إلغاء الطائفية السياسية، والالتزام باتخاذ الإجراءات المؤسساتية اللازمة للشروع في تحقيقها. فغياب مهلة دستورية لإنجاز الإلغاء لا يعني بالضرورة جواز الامتناع غير المحدود عن إطلاق الآلية التي نصّ عليها الدستور صراحةً.
أما المادة 22، فقد ربطت استحداث مجلس للشيوخ بانتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي. وبالتالي، فإنّ عدم إنشاء هذا المجلس لا يمكن وصفه بمخالفة مستقلة للمادة المذكورة قبل تحقق الشرط الدستوري الذي ربطت به إنشاءه.
وتكشف المادتان عن مفارقة عميقة. لقد رسم الدستور مساراً انتقالياً لتطوير النظام السياسي، لكن استمرار عدم استكمال مقتضيات هذا المسار يطرح سؤالاً عن الحدود القانونية للمرحلة الانتقالية. فهل يمكن أن يتحوّل المؤقت إلى دائم بمجرد استمرار العمل به؟ وهل يؤدي التوافق السياسي على تأجيل تنفيذ حكم دستوري إلى تعديل مضمونه من دون اتباع أصول التعديل الدستوري؟
من حيث المبدأ، لا تكفي الممارسة السياسية، مهما طال أمدها، لإلغاء حكم دستوري مكتوب. كما أنّ اتفاق السلطات على عدم تنفيذ التزام دستوري لا يمنح هذا الامتناع مشروعية لمجرد أنه أصبح مألوفاً.

المجلس الدستوري: رقابة على ما يُشرَّع لا على ما يُهمَل

تُنيط المادة 19 من الدستور اللبناني بالمجلس الدستوري مراقبة دستورية القوانين والبتّ في النزاعات والطعون الانتخابية المحددة فيها، وفق الشروط القانونية المرعية. وتتيح هذه الصلاحية للمجلس إبطال الأحكام التشريعية المخالفة للدستور، لكنها لا تمنحه اختصاصاً عاماً بمراقبة امتناع مجلس النواب عن التشريع، أو إلزامه بإصدار قانون يقتضيه تنفيذ حكم دستوري.
وهنا تتجلى مفارقة مؤسساتية. إذ يستطيع المجلس الدستوري أن يراقب ما يصدر عن المشرّع، لكنه لا يملك، في نظام الاختصاصات القائم، سلطة عامة لمراقبة ما يمتنع المشرّع عن إصداره. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الامتناع التشريعي الكامل، أي عدم إصدار التشريع المطلوب أصلاً، والإغفال التشريعي الجزئي، عندما يصدر قانون ينظّم موضوعاً معيناً لكنه يستبعد حالات أو فئات على نحو قد يخالف مبدأ المساواة أو ضمانة دستورية أخرى. ففي الحالة الثانية، قد تكون الأحكام القائمة نفسها محلاً للرقابة الدستورية ضمن شروط الطعن، من دون أن يعني ذلك اعتراف النظام اللبناني بدعوى عامة مستقلة ضد الامتناع عن التشريع. والنتيجة أنّ ثبوت الإخلال الدستوري لا يستتبع بالضرورة وجود مرجع قضائي مختص بمعالجته. فالالتزام الدستوري شيء، وآلية إنفاذه قضائياً شيء آخر.

عندما تعترف دساتير أخرى بما يتجاهله النظام اللبناني

لم تبقَ فكرة “عدم الدستورية بالامتناع” مجرد نظرية فقهية. فقد اعترف بها الدستور البرتغالي صراحةً في مادته 283، التي تخوّل المحكمة الدستورية التحقق من الامتناع عن اتخاذ التدابير التشريعية الضرورية لجعل الأحكام الدستورية قابلة للتنفيذ، وإبلاغ السلطة التشريعية المختصة عند ثبوت المخالفة.
وقد طبّقت المحكمة البرتغالية هذا المبدأ في قرارها رقم 474/2002، محددةً عناصر المخالفة، ومنها وجود حكم دستوري يحتاج إلى تدبير تشريعي، وغياب هذا التدبير أو عدم كفايته، وقيام علاقة سببية بين الامتناع وتعذّر تنفيذ الحكم الدستوري.
كذلك اعترف الدستور البرازيلي، في المادة 103، الفقرة الثانية، بإمكان إعلان عدم الدستورية الناشئة عن الامتناع، وإبلاغ السلطة المختصة لاتخاذ التدابير اللازمة.
ولا تعني هذه الآليات حلول القاضي محلّ المشرّع، بل تؤكّد أنّ احترام الفصل بين السلطات لا يستلزم تحصين الامتناع التشريعي من كل رقابة.
وهنا يطرح النموذج المقارن سؤالاً لبنانياً بامتياز: لماذا يستطيع القضاء الدستوري إبطال قانون يخالف الدستور، بينما لا يستطيع، وفق اختصاصاته الحالية، إعلان إخلال المشرّع بواجب دستوري واضح عندما يمتنع كلياً عن اتخاذ التدبير التشريعي المطلوب؟

مسؤولية دستورية بلا محاسبة قضائية؟

قد يُقال إنّ الامتناع عن تنفيذ الدستور يرتّب مسؤولية سياسية، تُمارَس عبر الانتخابات والرقابة البرلمانية وآليات المساءلة الدستورية. غير أنّ المسؤولية السياسية لا تُغني بالضرورة عن المسؤولية القانونية. فالسلطة قد تتحمل مسؤولية سياسية عن تصرّف مشروع، وقد ترتكب مخالفة دستورية من دون وجود آلية قضائية مباشرة لمحاسبتها. والخلط بين الحالتين يجعل إلزامية الدستور رهناً بموازين القوى السياسية.
لذلك، تبرز الحاجة إلى بحث إمكان تطوير الرقابة الدستورية اللبنانية، بحيث تشمل، ضمن ضوابط محددة، الامتناع عن تنفيذ الالتزامات الدستورية الواضحة. وقد تقتصر هذه الرقابة على إعلان المخالفة وإبلاغ السلطة المختصة، من دون مصادرة صلاحيتها في اختيار وسائل التنفيذ. غير أنّ استحداث اختصاص كهذا يستوجب تعديلاً مناسباً للإطار الدستوري والتشريعي، ولا يمكن افتراضه من النصوص النافذة حالياً.

الدستور بين قوة النص وسلطة الواقع

إنّ خطورة التعطيل بالامتناع لا تكمن فقط في تأخير تنفيذ حكم دستوري، بل في احتمال تحوّل هذا التأخير إلى ممارسة مستقرة تُفرغ النص من مضمونه، من دون أن تلغيه. فالدستور لا يفقد قوته القانونية لأن السلطة امتنعت عن تنفيذه، لكن فعاليته تتراجع عندما تغيب الوسائل الكفيلة بإلزامها باحترام واجباتها.
وإذا كانت الدقة القانونية تمنع اعتبار كل تأخير مخالفة دستورية، فإنها تمنع بالقدر نفسه اعتبار كل امتناع خياراً سياسياً مشروعاً. فليس من المقبول، من منظور سموّ الدستور، أن تتمسّك السلطات بالصلاحيات التي يمنحها إياها، ثم تتعامل مع الالتزامات التي يفرضها عليها وكأنها توصيات اختيارية.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: ليست المسألة فقط في معرفة مَن خالف الدستور، بل في تحديد مَن يملك مساءلة سلطة لا تنكر أحكامه، وإنما تمتنع عن تنفيذها. فأيّ قيمة لدستور يُلزم المواطنين والسلطات نظرياً، إذا كان مَن يتولى تطبيقه يستطيع إبقاء أحكامه معلّقة، من دون أن توجد آلية دستورية فعّالة لمحاسبته؟