فرنسا تسأل عن جدوى اليونيفل: هل تريد إيران “طرد الشاهد الدّولي”؟

يدور نقاش سياسي في الداخل الفرنسي حول جدوى مشاركة القوات الفرنسية في “اليونفيل” جنوب لبنان. في حين تتعرّض هذه القوّة للنار من إسرائيل، وللعبوات من حزب الله. مراسلة “الدّولة” في باريس مريم سيف كتبت هذا التقرير المعمّق حول الأزمة داخل فرنسا.
يولي الإعلامُ الفرنسيّ، منذُ أسبوع، اهتمامًا واسعًا للهجوم الذي اتّهم الرئيسُ الفرنسيّ إيمانويل ماكرون حزبَ الله بشنّه على جنود فرنسيّين في قوّات اليونيفل جنوبَ لبنان. وقد أدّى إطلاقُ النار على قوّةٍ فرنسيّة إلى مقتلِ جنديَّين وإصابةِ اثنين آخرين.
حزب الله ينفّذ رغبة إسرائيل
حصل ذلك بينما كانت فرنسا تنشط لدعم لبنان والضغط على إسرائيل من أجل فرض انسحابها من جنوب لبنان. وهذا أمر أثار استغراب المستوى السياسي وكذلك المستوى الإعلامي في الداخل الفرنسي.
فقد تقاطع الهجوم، الذي وصفه وزيرُ خارجيّة فرنسا جان نويل بارو بأنّه “جريمةُ حرب”، مع رغبة إسرائيل في إخراج القوّات الدوليّة من الجنوب، وهجماتها هي أيضًا عليها.
فقد شرح إعلاميون فرنسيّون لمشاهديهم، على مدى أيّام، تفاصيلَ مقتل الرقيب فلوريان مونتوريو، البالغ من العمر 39 عامًا، في “كمين” جنوب لبنان. وأورد أنّ الجنود الفرنسيّين كانوا يستطلعون الطريق في بلدة العندوريّة تمهيدًا لعمليّةٍ لوجستيّةٍ مقرّرةٍ في اليوم التالي. وعلى الطريق غير البعيد عن قاعدة دير كيفا، حيث يتمركز 550 جنديًّا فرنسيًّا، رصد الجنودُ عبوةً ناسفةً بدائيّة الصنع. وخلال محاولتهم إزالةَ العبوة، بدأ عناصرُ الحزب بإطلاق النار على الخوذ الزرقاء.
يدور نقاش سياسي في الداخل الفرنسي حول جدوى مشاركة القوات الفرنسية في “اليونفيل” جنوب لبنان. في حين تتعرّض هذه القوّة للنار من إسرائيل، وللعبوات من حزب الله
عجز رسمي لبناني عن كشف الجُناة
وزيرُ خارجيّة فرنسا الخميس الفائت، عبّر عن الشعور بالغضب لاستهداف جنودٍ أمميّين “ظاهرين بشكلٍ واضح”، واعتبر أنّ ذلك “لا يشكّل جريمةَ حربٍ فحسب، وإنّما اعتداءٌ على المجتمع الدوليّ بأكمله”.
رئيسَ الحكومة اللبنانيّة نواف سلام عجز عن تقديم جوابٍ شافٍ عن هويّة المتورّطين في الهجوم إلى الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، حين زاره الاثنين الفائت في الإليزيه. وتضاعف حزنُ الفرنسيّين، الثلاثاء، مع إعلان ماكرون عن مقتل الجنديّ الثاني، الذي كان قد أُصيب على يد عناصر من حزب الله.
وبينما تنتظر باريس من بيروت أن تكشف عن هويّة المرتكبين وتبدأ بمحاكمتهم، طرح مقتلُ الجندي في فوج المهندسين المظلّيّين تساؤلاتٍ في فرنسا حول الجدوى من مهمّة اليونيفل في لبنان، إضافةً إلى دور الفرنسيّين فيها وتاريخها.
قوّاتٌ عاجزة.. بلا “صلاحيات”؟
أشارت تقاريرُ وتحليلاتٌ عدّة إلى عجز هذه القوّات “على الأرض”. باعتبارها قوّات محدودة الصلاحيّات، عالقةٌ بين حزب الله وإسرائيل، وتعمل في بيئةٍ شديدة التعقيد والخطر.
مجلّة “ماريان” نشرت أنّ “الحادث يُظهر عيوبَ ومخاطر هذه المهمّة التي باتت غير قابلةٍ للاستمرار”. واعتبرت صحيفة “لوموند” الحادثَ ثمنًا لهشاشة الهدنة بين الطرفين، دفعته القوّات الدوليّة، كما وُصف “الكمين” بأنّه سابقةٌ خطيرةٌ ضمن مرحلة وقف إطلاق النار.
ووجد محلّلون آخرون أنّه، وعلى الرغم من كلّ ذلك، فإنّ القوّات الدوليّة تمنع تدحرج الأمور، وتحدّ من شدّة الهجمات الإسرائيليّة على اللبنانيين وقراهم. ولفت آخرون إلى تاريخ الدولة اللبنانيّة في التعاطي مع الاعتداءات على قوّات اليونيفل، وعجزها عن محاسبة المرتكبين، لا سيّما في حادثة قتل الجندي الإيرلندي عام 2022.
خلال الحرب الماضية، سعت إسرائيل لإبعاد اليونيفل مسافةَ 5 كيلومترات عن الحدود، بهدف فرض منطقةٍ عازلة صمّاء، لا يمكن لـ”الشاهد الدولي” أن يوثّق ارتكابات إسرائيل فيها
إغماض عيون “الشاهد الدولي”
خلال الحرب الماضية، عام 2024، سعت إسرائيل إلى إبعاد قوّات اليونيفل مسافةَ 5 كيلومترات عن الحدود، بهدف فرض منطقةٍ عازلة “صمّاء”، لا يمكن لـ”الشاهد الدولي” أن يوثّق ارتكابات إسرائيل فيها. وهذه هي أهميّة “اليونيفيل” في جنوب لبنان. أنّها توثّق، وترصد، وتقدّم تقارير فيها الكثير من الحياد. خصوصاً إذا ما قورنت بما تقدّمه إسرائيل إلى الإعلام والمجتمع الدولي.
القوّات الدوليّة، ولا سيّما فرنسا، واجهت مطلب إسرائيل. ونجحت الولايات المتحدة لاحقًا في الضغط داخل مجلس الأمن باتجاه تحديد مهلةٍ لنهاية عمل القوّات الدوليّة جنوب لبنان، وجُدّد لها “لمرّةٍ أخيرة” تنتهي نهاية العام 2026…
فهل هي “عنتريات” عناصر “غير منضبطة في الحزب”؟ أم أنّ إيران تريد أيضاً طرد “الشاهد الدولي”… ولماذا؟
إقرأ أيضاً: سلام “اعتذر” عن زيارة واشنطن.. فلماذا زار باريس؟



