قراءة في “دبلوماسية” عون بمواجهة اقتراح الحزب والحرب

في هذه اللحظات المفصلية من تاريخ لبنان، يبرز صراع وجودي بين مفهومين متناقضين: الدولة بوصفها الضامن الوحيد للسيادة والإستقرار، و”الدويلة” التابعة لإيران، بوصفها كياناً موازياً يقتات على ضعف المؤسسات ويرهن مصير البلاد لأجندات عابرة للحدود.
في السياق اللبناني الراهن، يتجلى هذا الصراع في المقارنة بين قوة الدبلوماسية والشرعية الدولية، وبين صواريخ حزب الله التي أصبحت عبئاً على الوطن أكثر من كونها درعاً له. وبين قوّة ما يقوم به الرئيس جوزاف عون، وبين اقتراح حزب الله، بالانقياد وراء الحرس الثوري الإيراني في حربٍ لا تنتهي.
وهم القوة في فوهة الصاروخ
لطالما سُوّق لسلاح الحزب على أنه القوة الوحيدة القادرة على حماية لبنان، لكن القراءة التحليلية للواقع تثبت العكس. فالقوة العسكرية الخارجة عن إطار الدولة هي فائض قوة يؤدي بالضرورة إلى اختلال التوازن الوطني. حتى حين “انتصر” الحزب، بالصمود، في حرب تموز 2006. انعكس “اختلال التوازن الوطني” في ارتداد الحزب نحو الداخل ومطالبته بمكاسب في النظام والسلطة، وصولاً إلى 7 أيّار 2008. فكيف الحال وهو مهزوم بالكامل في حربي 2023 و2026؟
الصواريخ، مهما بلغت دقتها أو مداها، تظل أدوات تكتيكية في صراع إقليمي، بينما الدبلوماسية هي الأداة “الإستراتيجية” التي تبني الأوطان.
وهنا تكمن خطورة الدويلة: في أنّها صادرت قرار الحرب والسلم، وحوّلت لبنان من شريك في القرار الدولي إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل النارية، مما أدى إلى عزلته وتداعي اقتصاده.
مشروع الدولة: الأحقية والمشروعية
مشروع الدولة لا يستمد قوته من حجم ترسانته، بل من الشرعية. بالتالي يصير السؤال عن عدد الصواريخ بحوزة الجيش اللبناني هو سؤال – فخّ لا علاقة له بقوّة الشرعية. فالدولة هي الكيان الوحيد المعترف به دولياً، وهي القادرة على إبرام الإتفاقيات، وحماية الحدود عبر الجيش الوطني، وجلب الإستثمارات. حين تتعطل الدبلوماسية اللبنانية لصالح منطق الميليشيا، يفقد لبنان شبكة أمانه العربية والدولية.
لماذا تُعد الدبلوماسية أقوى؟
- الحماية القانونية: القرارات الدولية (مثل القرار 1701) هي التي تحمي لبنان قانونياً، وليس صواريخ تبرر للعدو تدمير البنية التحتية.
- الإستقرار الإقتصادي: لا يمكن لبناء دولة أن يستقيم في ظل إقتصاد الممانعة الموازي. فالدبلوماسية هي التي تفتح أبواب التعاون مع المؤسسات المالية والدول الشقيقة.
- الوحدة الوطنية: مشروع الدولة يجمع اللبنانيين تحت سقف القانون، بينما مشروع الدويلة يفرقهم بين “بيئة حاضنة” و”خصوم” سياسيين.
في هذه اللحظات المفصلية يبرز صراع وجودي بين مفهومين متناقضين: الدولة بوصفها الضامن الوحيد للسيادة والإستقرار، و”الدويلة” التابعة لإيران، بوصفها كياناً موازياً
تعرية “الدويلة”
لطالما اعتاشت “الدويلة” في لبنان على أنقاض الدولة. فهي تزدهر كلما ضعف القضاء، فتسيطر عليه. وتكبر مالياً كلما انهار النقد الرسمي. وتجربة “القرض الحسن” ماثلة بعد انهيار المصارف. وتفرح كلما تلاشت هيبة المؤسسات الأمنية الرسمية.
أما الادّعاء بأنّ الصواريخ هي التي تمنع العدوان، فهو وهم سقط أمام حقيقة أنّ هذه الصواريخ هي ذاتها التي تُستخدم فزاعة في الداخل اللبناني لفرض معادلات سياسية بقوة السلاح، ولتعطيل الدستور اللبناني كلما تعارض مع مصالح المحور الذي تنتمي إليه الدويلة… فشلت في منع احتلال جنوب الليطاني وتدمير كبير في شماله وصولاً إلى الضاحية والبقاع.
يصير واضحاً أنّ القوّة الحقيقية للبنان تكمن في حياده الإيجابي وفي تفعيل ماكينته الدبلوماسية لتحرير أرضه وإعادة أسراه ووضع إسرائيل تحت الأمر الواقع، لا كمخزن للأسلحة. فالتاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات والمليشيات التي اعتمدت على السلاح وحده سقطت، بينما الدول التي استثمرت في الإنسان والدبلوماسية والقانون هي التي استمرت. وخير دليل حالة روسيا، التي تملك أطناناً من القنابل النووية، ومن انهيار عسكري إلى انهيار، منذ 40 عاماً.
لهذا، فإنّ استعادة أحقية الدولة تبدأ بانتزاع حصرية السلاح وقرار الحرب من يد “الدويلة” وإعادته إلى المؤسسات الدستورية. والدبلوماسية ليست ضعفاً، بل هي ممارسة السيادة بأرقى أشكالها. فصاروخ واحد قد يهدم بناءً، لكن معاهدة دبلوماسية ناجحة تحت مظلة الدولة كفيلة ببناء مستقبل لأجيال، وحماية وطن من الزوال.
إقرأ أيضاً: فرنسا تسأل عن جدوى اليونيفل: هل تريد إيران “طرد الشاهد الدولي”؟




