ضرورة التفاوض: بين احتلال إسرائيلي.. واحتلال إيراني

لم يَعُد في لبنان ما يحتملُ التجميلَ اللفظي. الأمورُ باتت تُسمّى بأسمائها: نحن أمامَ احتلالين، لا واحد. احتلالٌ عسكريّ تمارسه إسرائيل على أرضِنا وحدودِنا، واحتلالٌ سياسيّ وعسكريّ تمارسه إيران عبر أذرعٍ محلّيةٍ صادرت القرارَ الوطنيّ، وجرّت البلادَ إلى حروبٍ لا قرارَ للدولة فيها.
المفارقةُ القاتلةُ أنّ مَن يدّعي احتكارَ المقاومة، هو نفسه مَن عطّلَ الدولة، وشلَّ مؤسّساتِها، ووضعَ لبنانَ رهينةً في صراعاتٍ إقليميّةٍ لا علاقةَ لها بمصلحةِ اللبنانيّين.
أيُّ مقاومةٍ هذه التي تُدارُ خارجَ شرعيّةِ الجمهوريّةِ اللبنانيّة؟ وأيُّ تحريرٍ يُبنى على أنقاضِ دولةٍ منهارةٍ وسيادةٍ مُنتهَكة؟
الحقيقةُ القاسيةُ أنّ خيارَ التفاوض، مباشرًا كان أم غيرَ مباشر، لم يكن ترفًا لدى رئيسِ الجمهوريّة ولا رئيسِ الحكومة، بل كان آخرَ ما تبقّى من أدواتِ الإنقاذ. في بلدٍ محكومٍ بالانهيار، يُصبح التفاوضُ فعلَ شجاعة، لا خيانةً كما يُسوَّقُ له.
نحن أمامَ احتلالين، لا واحد. احتلالٌ عسكريّ تمارسه إسرائيل على أرضِنا وحدودِنا، واحتلالٌ سياسيّ وعسكريّ تمارسه إيران عبر أذرعٍ محلّيةٍ صادرت القرارَ الوطنيّ
مغامرة الحزب… ونهاية الشعارات
لقد أوصلتنا مغامراتُ الأذرع إلى كارثةٍ وطنيّة: خمسةٌ وخمسون قريةً مدمَّرة، أكثرُ من مليونِ نازح، وأعدادٌ صادمةٌ من الضحايا لا تُحصى فقط بالأرقام، بل بالعائلاتِ المكسورة والمستقبلِ المسروق.
ومع ذلك، يخرجُ علينا مَن يُطالبُ بالمزيد، باسمِ شعاراتٍ فارغة، وباسمِ نصرٍ لا يراه إلّا مَن قرّر إنكارَ الواقع.
ما عاد ممكناً السكون عن استخدام لبنان ساحةً لتصفيةِ الحسابات. ولا إدارة الوجه عن مصادرةً قرارِ شعبٍ كامل. ولا الموافقة على استباحة دمِ اللبنانيّين تحت عناوينَ كبرى.
المقاومةُ الحقيقيّةُ اليوم لا تكون ببندقيّةً خارجَ الدولة، بل باستعادةُ الدولةِ نفسها. هي فرضُ سيادتِها على كاملِ أراضيها، وتوحيدُ قرارِها العسكريّ والسياسيّ، وإنهاءُ كلِّ سلاحٍ خارجَ مؤسّساتها.
المقاومة ضرورية بالتأكيد، في ظلّ الاحتلال. لكن يجب مقاومة هذا الاختطافَ المزدوج: اختطافَ الأرضِ بالاحتلال، واختطافَ القرارِ بالوصاية.
المقاومة من أجلِ لبنان تكون بالدولة، بالقانون، وبسيادةٍ لا تتجزّأ.
فإمّا دولةٌ كاملة… أو لا وطن.



