ما هي الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط. يجيب على هذا السؤال الخبير المتخصّص في سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا. الذي يكتب من الصين لموقع “الدّولة”. كاشفاً أنّ الصين باتت “علناً” ضدّ “دعم الجماعات المسلّحة التي تقوّض الاستقرار”.
تشهد منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً الخليج العربي، تحوّلات استراتيجية متسارعة في طبيعة العلاقات الدولية، في ظلّ صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية وتزايد حضورها السياسي والدبلوماسي.
يأتي هذا الحضور في إطار رؤية صينية واضحة تقوم على مبادئ ثابتة، أبرزها “الشراكة وعدم الانحياز”، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية، ومعارضة الهيمنة وفرض السياسات عبر دعم الجماعات المسلّحة التي تقوض الاستقرار، بما يعكس نهجًا مختلفًا عن نماذج التحالفات التقليدية.
الخليج والصين: 500 مليار $ سنوياً
شكّلت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى المملكة العربية السعودية محطّة مفصلية في العلاقات الخليجية الصينية. إذ عكست مستوى متقدمًا من التعاون الاقتصادي والاستثماري، وأثارت تساؤلات حول مستقبل التوازنات الدولية في المنطقة.
هذا التقارب لا يأتي في فراغ، بل في سياق توتر نسبي ساد العلاقات السعودية الأميركية خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن. ما دفع دول الخليج يومها إلى البحث عن تنويع شراكاتها الدولية، والتوجه شرقًا نحو قوى صاعدة مثل الصين، وحتّى إلى تمتين علاقاتها بروسيا وغيرها.
ومنذ تلك الزيارة بدأت تتّسع هذه الشراكات وستستمر بالنمو في السنوات المقبلة، مع تقديرات تشير إلى إمكانية وصول حجم الاستثمارات الخليجية الصينية إلى نحو 500 مليار دولار سنويًا.
رغم هذا التوسع، لا تزال الصين حريصة على إبقاء علاقاتها ضمن الإطار الاقتصادي والتجاري، دون الانخراط في تحالفات عسكرية أو تغييرات جذرية في التوازنات الدولية، وهو ما ينسجم مع استراتيجيتها العامة.
النفط والاقتصاد: محرك رئيسي للعلاقات
تلعب الطاقة دورًا محوريًا في العلاقات الخليجية الصينية. حيث تُعدّ الصين أكبر مستورد للنفط السعودي، في وقت تستهلك آسيا نحو 70% من صادرات النفط السعودية. ويعزّز ذلك من أهمية المنطقة بالنسبة لبكين، ويدفعها إلى تعزيز حضورها الاقتصادي دون التورط في صراعات سياسية أو عسكرية.
في المقابل، تسعى دول الخليج إلى الاستفادة من الخبرات الصينية في مجالات البنية التحتية، التكنولوجيا، والطاقة، بما يدعم خطط التنويع الاقتصادي والتحول نحو اقتصادات أكثر استدامة.
العلاقات الصينية الإيرانية: شراكة لا تحالف
في موازاة ذلك، تبرز العلاقات الصينية الإيرانية ضمن إطار مختلف عن التصورات السائدة، حيث تؤكد بكين أنّ هذه العلاقة “ليست تحالفًا عسكريًا”، بل هي شراكة استراتيجية تقوم على المبادئ نفسها التي تحكم علاقاتها مع باقي دول المنطقة، بما فيها دول الخليج.
إنّ خطة التعاون الشاملة الموقعة بين الصين وإيران، التي جاءت نتيجة مسار دبلوماسي طويل، تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، ولا تستهدف أي طرف إقليمي أو دولي. كما أنّها لم تتضمن أي إنشاء لقواعد عسكرية أو تحالفات أمنية كما حاول البعض إشاعته في الإعلام لأهداف خبيثة. بل تندرج الخطة ضمن رؤية صينية أوسع تقوم على بناء شبكة من الشراكات المتوازنة.
المبادئ الخمسة: أساس السياسة الصينية
ترتكز الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط على “المبادئ الخمسة للتعايش السلمي” وهي:
1- الاحترام المتبادل للسيادة.
2- وحدة الأراضي وعدم الاعتداء.
3- عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
4- المساواة والمنفعة المتبادلة.
5- التعايش السلمي رغم اختلاف الأنظمة
تشكّل هذه المبادئ الإطار الناظم للعلاقات الصينية مع مختلف دول المنطقة، سواء الخليجية أو ايران أو غيرها، حيث تنطلق بكين من رؤية تقوم على الشراكة المتوازنة وعدم الانحياز، بما يضمن احترام سيادة الدول وتحقيق المصالح المشتركة. وفي هذا السياق، تؤكد الصين رفضها القاطع لفكرة الأحلاف العسكرية أو سياسات فرض النفوذ، كما ترفض أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للدول، سواء جاء من أطراف صديقة أو مناهضة.
كما تعارض بكين دعم الجماعات المسلحة أو إنشاء أدوات ضغط غير مباشرة تحت مسميات مختلفة، بما فيها بعض المنظمات غير الحكومية NGO التي تُستغل أحيانًا كوسائل للتأثير السياسي، إذ ترى أن مثل هذه الممارسات تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتقويض بنية الدول والمجتمعات، بدلًا من دعم التنمية وتعزيز الأمن.
نحو نظام متعدد الأقطاب
تسعى الصين من خلال هذا النهج إلى دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز التنمية الاقتصادية، عبر مبادرات مثل “الحزام والطريق”، التي تهدف إلى ربط الأسواق وتعزيز التعاون الدولي.
في هذا السياق، تعمل بكين على لعب دور الوسيط في النزاعات، وتشجيع الحوار، بدل الانخراط في الصراعات، ما يلقى ترحيبًا من العديد من دول المنطقة التي تسعى إلى تحقيق التوازن في علاقاتها الدولية.
الشرق الأوسط بين معضلة الأمن والتنمية
أما في الشرق الأوسط، فقد ظل الأمن والتنمية المعضلتين الأبرز على مدى عقود طويلة، ما جعل المنطقة ساحة مفتوحة للصراعات والتجاذبات الدولية. وفي هذا السياق، تحاول بكين الاستثمار في هذا الشرق المضطرب عبر تغليب مبدأ السلام على الحروب، وهو ما تجسّد في مبادرتها ذات النقاط الخمس لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
وقد ركزت هذه المبادرة على جملة من المسارات، أبرزها دعم الحل السياسي للأزمة السورية، وتنفيذ حلّ الدولتين للقضية الفلسطينية، والعمل على الحد من تدخل القوى الكبرى في شؤون المنطقة، وتشجيع دولها على تبني نهج الاستقلال الاقتصادي والتنمية الذاتية للخروج من نموذج الاقتصادات الريعية.
رغم هذه المبادرات، تشير المعطيات إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق السلام الشامل والتنمية المستدامة في الشرق الأوسط، في ظل استمرار الحروب وبؤر التوتر.
القضية الفلسطينية في صلب الرؤية الصينية
تحتل القضية الفلسطينية موقعًا محوريًا في الرؤية الصينية. إذ تعتبرها بكين إحدى أبرز القضايا العادلة في النظام الدولي. وترى أنّ التصعيدات المتتالية، من غزّة إلى الحرب الإيرانية والتوترات الإقليمية، ليست سوى امتداد لأزمة تاريخية لم يتم حلها.
من هذا المنطلق، تدعو الصين إلى تحرّك دولي جاد، عبر الأمم المتحدة، لإقرار حقوق الشعب الفلسطيني وتصحيح المسار السياسي، بما يحقق العدالة والاستقرار في المنطقة.
صعود التعددية حول العالم
ثمة نظرية في الصين مفادها أنّ الدور الأميركي يتراجع في المنطقة نسبيًا. استناداً إلى ما يجري في الملف الفلسطيني أو في إدارة الأزمات الإقليمية. وأنّ التطوّرات الأخيرة، ولا سيما التصعيد المرتبط بالحرب على إيران، أظهر محدودية في قدرة أميركا على ضمان الأمن الإقليمي. حيث أنّ القواعد الأمريكية لم تنجح في منع الهجمات على دول المنطقة، بل ساهمت في بعض الأحيان في زيادة مستوى التوتر، ما انعكس تهديدًا مباشرًا على أمن واستقرار المنطقة، وأثار مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي، خصوصًا في ما يتعلق بإقفال مضيق هرمز.
هذا الواقع تراهن عليه الصين لإعادة تقييم خيارات دول المنطقة الاستراتيجية، والبحث عن مقاربات جديدة أكثر توازنًا، تقوم على تنويع الشراكات الدولية.
وهنا تطرح أسئلة من نوع: هل يتّجه العالم تدريجيًا نحو نظام متعدّد الأقطاب يقوم على مبدأ الشراكة والتعاون بدل الهيمنة؟
هنا تبرز الصين كطرف يدعو إلى التنمية المشتركة، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية.
هذا التوجه لا يقتصر على الصين وحدها، بل يتقاطع مع تطلعات العديد من الدول، خاصة في العالم العربي، التي تسعى إلى بناء علاقات دولية أكثر توازنًا وعدالة.
إذاً تقوم الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط على بناء الشراكات لا التحالفات، وتعزيز التنمية لا الصراع. وبينما تحافظ بكين على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما فيها الخليج وإيران، فإنها تؤكد أنّ نهجها يقوم على عدم الانحياز والتعاون المشترك.
اقرأ أيضاً: واشنطن تُسقِط “سلاح الحزب” من التفاهم مع طهران: لبنان يتفاوض وحده؟