معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

لُغز الناشط الفيدرالي: إدريس أم نوربرت؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

 

بات واضحاً أنّ هناك ضخّاً إعلامياً ودعماً مالياً كبيراً لتسويق فكرة “الفدرالية” في لبنان. بما يؤسّس لتقسيم لبنان مذهبياً، وتفتيته، والقضاء على اتفاق الطائف… فما هو سرّ، أو لُغز “الناشط الفدرالي”، وهل هو إدريس… أم نوربرت؟

 

قِطة تنظر في المرآة، فتظن أنها أسد.

على هذا المنوال تنتشر صُوَر في عالم الميديا بهدف التهكّم أو التأمّل. ورغم بساطة التعبير وتواضع الوسيلة، تَصلح هذه الصورة لمقاربة ظواهر ناشطية في الشرق الأوسط.

يشير مصطلح “ناشط” بالطبع إلى من ينشطون في الشأن العام. غير أنّ المقصود هنا بالتحديد: من ليس لهم دور سياسي أو مجتمعي يمثل جمهوراً محدّداً على أرض الواقع، لذا يقتصرون على اقتناص فرص الظهور لإطلاق أفكار أو دعوات ومحاولة شحن النفوس.

واقع المنطقة وتحديداً لبنان وسوريا – مع الاختلافات بين التجربتين – والحروب الأهلية قادَ إلى طرح أسئلة عن الصيغ الأفضل للحكم، وحجم المركزية المطلوبة، وخيارات الفيدرالية أو الاتحادية أو الانفصال… وبالتالي فمن الطبيعي البحث عن مخارج وحلول لشعوب المنطقة مع توفر الظرف الدستوري المناسب.

هذا واقع لا يمكن تجاوزه ولا التقليل ممن يخوضون فيه.

من هو “الناشط الفدرالي”؟

في المقابل، وبين زحمة الأصوات المشغولة بالبحث في شكل الحكم أو الإدارة تبرز ظاهرة “الناشط الفيدرالي”، لِتشير إلى ناشطين برزوا في السنوات الماضية ومَيّزتهم جوانب أدائية معينة.

وبما أنّ النقد مرتبط بالأداء فلا يصحّ بالتالي الدخول مع هؤلاء في جدل من قبيل: إن كان تقسيم بلدان المنطقة سينتج دولاً من طراز “أرض الصومال”، أم سيُحوّل لبنان إلى يَمَنْ آخر وساحة حروب بالوكالة، أم سيفضي إلى النموذج الألماني.

من هنا نبدأ إذاً، أي من سؤال: هل موضوعات حسّاسة كالحلول الدستورية لبلاد لا تزال تحكمها عصبيات القبيلة والطائفة ونصف الطائفة وكارتيل المولدات يمكن أن تناقش مع هؤلاء الناشطين؟

فدرالية الأبواق… والشتائم

أما لماذا ليس الموضوع أو القضية هما المشكلة معهم، فلأنّ ذخيرتهم الجدلية الأساسية في مكان آخر، فزادهم أينما حلّوا هو محاولة إثبات “عدم قابلية مكوّنات المنطقة الإثنية للتعايش بين بعضها البعض”… لهذا الهدف قد تجدهم ينشرون قَيح الأمراض العنصرية مراتٍ على هيئة فكر ومراتٍ أخرى على شكل شتائم رخيصة بحقّ مَن يخالفهم بسبب كونه شيعي أو سني أو سواه.

بذلك لا يختلفون أدائياً عن عدد من أبواق الممانعة أو الإسلامويين، سوى في الاصطفاف. وأحياناً ينحدرون إلى ما هو أدنى. فيصعب تصنيف ما يقولونه في خانة السياسة كونه عملياً يشبه جهود أم فلان وهي تدور على المجالس كي تقنع الناس بحتمية طلاق ابنها من زوجته، وتحويل قصتهما إلى قضية رأي عام.

موضة الانفصال

لأسباب بنيوية وسياسية يعيش الشرق الأوسط قلاقله كصدى لتحوّلات عالمية منبثقة من نزع العولمة والسياسات الحمائية وفرضيّة قيام نظام عالمي جديد. أي أنّ موضة نزعات الانفصال ليست سوى استكمال لمعطيات جديدة ستقودنا لنرى مثلاً شخصاً ألمانياً من مقاطعة غربية يتمنّى بتغريدة على منصّة “إكس” أن تعود وتتقسّم ألمانيا، ويستقلّ غربها عن شرقها، ليردَّ عليه آخر من الشرق بالقول: “ليتنا ننفصل لأعيش على الغاز الروسي الرخيص أيها الخاضعون للأمريكان!”.

بالحديث عن ألمانيا في هذا المجال لا بدّ من استحضار اسم المفكر والإعلامي المعاصر نوربرت بولتز Norbert Bolz كنموذج ليبرالي محافظ يروّج لفكرة تفيد كسياق لفهم المرحلة تقول إنّ “أوروبا هي ضحية لموجات الهجرة والإسلاموية واليسار، والرجل الأبيض العجوز هو رمزياً كبش فداء الأمة”.

ثقافويون بنسخة رديئة

بعيداً عما يحتاجه شرح فكر بولتز من مطوّلات لا يتّسع لها مقال، فالأكيد أنّ فيه خيطاً من فكرة سادت على مستوى مسيحي- ثقافي وليس دينياً- تتجاهل البنى التاريخية الحقيقية للسلطة وتشابكاتها.

لكن مجرّد التنويه بمقولات بولتز يكفي للإشارة إلى تيار جديد تتنوّع أصداؤه دون أن يعني ذلك أنّ مجموعة من الرداحين الشرق أوسطيين متأثرون مباشرة بمفكر ألماني بالضرورة، حتى وإن بدوا مثله.

الأقرب لفهم هؤلاء الناشطين هو وصفهم بأنّهم نسخة رديئة جداً من “الثقافويين الجوهرانيين” أي من يبالغون في تفسير الواقع باستخدام “الثقافة/الهوية” الملتصقة برأيهم بفئات معينة، والتقليل من تأثير البنية السياسية والاقتصادية والتاريخية. كما هو الحال عند القول مثلاً إنّ “مَن يتبعون حزب الله من اللبنانيين الشيعة يفعلون ذلك لأنّ عقيدتهم تكره الحداثة على عكس المسيحيين”… أو تبرير ظواهر مجتمعية معقدة بمصطلحات مثل :”الذهنية الإسلامية”، أو “العقل السنّي”.
وإذا أضفنا “الشعبوية” إلى العوامل السابقة نفهم كيف يجنح خطاب الناشط الفيدرالي إلى التبسيط الهويّاتي الشديد للواقع، ومن ثم مخاطبة الناس بتعميمات عاطفية تنزلق أحياناً نحو نزعات غرائزية متشفية.

وفي حال قلت للرداح الفيدرالي: “ماذا عن تشابكات الاقتصاد والتاريخ والعلاقات المتداخلة مسيحياً مع حزب الله وسواه؟”. قد يجيبك بفكرة تدور حول “خيانة الهوية” أو “وجوب تنقية الحالة المسيحية” أو تبريرات أخرى.

ما يهمّهُ بالمحصلة أن يختزل تحالفات إنتاج السُلطة مجتمعياً بـ: فئة مظلومة وفئة شريرة”. ولهذا الغرض لا غرابة أن يمضي الفيدرالي وقته لاهثاً خلف المصطلحات الغريبة لتطعيم جدالاته بحذلقات لغوية تبهر البسطاء وتُشعره بالانتماء إلى مصاف المفكرين.

مناضلون بمواصفات “إدريس”

لا يمكن لأحد أن يشكّك في دور المسيحيين الريادي المؤسّس للبنان، ولا في الإسهامات العظيمة لهم في مختلف المجالات. من ناحية ثانية ينبغي وضع الأمور في نصابها عند تناول ظاهرة الناشطين الفيدراليين كونهم يبثّون أوهاماً على أكثر من صعيد، منها إيحاؤهم بأنّ المسيحية المشرقية (التي لم تعِش مثلاً حرب الثلاثين عاماً وصراعات الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا وسواها من منعطفات تاريخية) هي حالة حداثية متفوّقة على باقي الطوائف اللبنانية بسبب وجود رابط ثقافي لها مع المسيحية الغربية.

أمام ذلك تبرز الحاجة لعودة اللبنانيين بمختلف أطيافهم “ليبقوا جميعاً على السجادة” كما يقول المثل الألماني، أي أن ينطلقوا من واقعهم بلا استعراضات انتمائية.
وبالنسبة للناشطين الفيدراليين فقد يكون الأجدى لو ينظرون في المرآة ليعرفوا أنّهم ليسوا ممثلين للحضارة الغربية، وأنّه ليس بينهم من يشبه نوربرت بولتز أو نيكولاس لومان أو يورغن هابرماس.

هم يمارسون دوراً يشبه دور “إدريس” (فايز قزق) في مسلسل “الزند – ذئب العاصي” عن زمن الإقطاع العثماني. في المسلسل لم يكن إدريس تغييريّاً بالرغم من قتاله الدامي. ولم يُمثل جمهوراً ذا مصالح وتوجّهات. ولم يملك مشروعاً يخلخل نظام الولاءات. إنّما سعى لحماية موقعه، وبنى تحرّكاته ومعاركه على أساس شخصي ثأري أو انتفاعي. لقد كان باختصار نموذجاً لشخصية تقاتل بلا مبدأ، كحال ناشطين كثر في الشرق الأوسط.

 

اقرأ أيضاً: متضرّرو الحرب يقاضون الحزب: الغضب في قصر العدل