ظهر “نداء صور والنبطية” كخطوة مفاجئة ولافتة ومنتظرة. ففي لحظات قليلة، أصبح حديث السياسيين والناشطين والمواطنين من مختلف الفئات والمناطق، وفتح سجالات داخل البيئة الشيعية نفسها بين داعم للنداء وبين من وجد فيه تحدياً لمشروع المقاومة الذي تم حصره بحزب الله في العقود الماضية.
بدأت المبادرة عندما أطلق عدد من أبناء مدينة صور نداءً طالبوا فيه بوقف ما تتعرض له المدينة من دمار نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، وطرحوا جملة مطالب أبرزها إعلان صور مدينة مفتوحة وخالية من السلاح، ونشر الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية في المدينة ومحيطها، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، إضافة إلى تحرك حكومي دبلوماسي وسياسي عاجل عربياً ودولياً لحماية المدينة التاريخية من الاعتداءات المتواصلة.
لاحقاً، بادر عدد من أهالي وسكان النبطية ومحيطها إلى إطلاق نداء مماثل موجّه إلى الرؤساء الثلاثة والحكومة اللبنانية، داعين إلى تحمّل المسؤوليات الوطنية والتاريخية لحماية النبطية من الدمار، واستكمال تحرير الأرض، وإبعاد لبنان والجنوب عن صراعات المحاور وحروب الآخرين. كما رفعوا المطالب نفسها، مع التشديد على إعلان النبطية ومحيطها منطقة آمنة ومفتوحة تحت سلطة الدولة اللبنانية ورعايتها، وخالية من كل ما قد يعرّض سكانها للخطر.
كيف بدأت المبادرة؟
يقول الأستاذ الجامعي والناشط السياسي حاتم حلاوي، وهو أحد مؤسسي “نداء صور”، لموقع “الدولة”، إن المبادرة بدأت بين ثلاثة أو أربعة أشخاص، منهم الأستاذ ناجي أبو خليل، كانوا يتشاورون حول أي خطوة يمكن التقدم بها لتحييد مدينة صور بعد تصاعد الدمار والتهديد، خاصة أنها تُعد مدينة غير ذات أهمية عسكرية، ومن الواضح أن الهجوم عليها لأسباب معنوية تتعلق بأهميتها الرمزية والتاريخية. وقد تم عرض المبادرة على مجموعات تضم العديد من الناشطين من أهل المدينة والمهتمين بشؤونها، والذين يغلب عليهم الطابع الرافض للحرب.
وبحسب حلاوي، كان الدافع وراء المبادرة هو الغضب الذي يشعرون به تجاه ما يحدث للمدينة. فأحياء بكاملها تُقصف، وهناك حاجة لإنقاذها عبر تفعيل دور الحكومة والضغط الدبلوماسي لتحييد المدينة التي كانت مقصداً للنزوح، وباتت منطقة غير آمنة. وعندما علم عدد من المعارف والأصدقاء في النبطية بالمبادرة، تم تلقفها، وأُطلق بيان مشابه لمدينة النبطية جمع العديد من التواقيع، وصل عددها إلى 220 توقيعاً من أهل المدينة.
وأضاف أنه، وبالرغم من حرصهم على صياغة البيان بأسلوب لا يشكل استفزازاً لأحد، فإنهم تعرضوا لحملة مضادة شرسة، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعرّض الذين وقعوا على البيان للتخوين والتهديد، مما أدى إلى سحب بعضهم لتوقيعه.
آمال المبادرين وردود الفعل
يأمل أصحاب النداء في تجاوب الرؤساء الثلاثة، وأن تأخذ المبادرة صدىً دولياً يؤدي إلى توقف القصف وإنقاذ ما تبقى من المدن.
لم يكن مستغرباً أن تواجه حملة “إنقاذ” بحملة أخرى من التخوين، فالعديد من الناشطين المحسوبين على الحزب، والصفحات التي تحمل أسماء المدن الجنوبية وتُدار من قبله أيضاً، راحوا يروجون أن أصحاب نداء صور والنبطية لا يمثلون أهل المدينة ولا يملكون “ثقلاً شعبياً” فيها، ولم يأخذوا موافقة الجميع قبل إطلاق المبادرة. بل ذهبوا أبعد من ذلك بالاتهام بأن أسماءً أُدرجت من دون موافقة أصحابها، وهو ما نفاه المبادرون بشكل قاطع.
أسئلة مشروعة
هل يحتاج نداء لإنقاذ أكبر مدينتين جنوبيتين من التهجير والتدمير والقضاء على كافة مقومات الحياة إلى موافقة من فتح جبهة بستة صواريخ انتقاماً للمرشد الأعلى الإيراني في 2 آذار؟ وهل يحتاج كل مواطن جنوبي إلى ثقل شعبي و10 آلاف صوت تفضيلي في الانتخابات كحد أدنى حتى يتمكن من التعبير عن رأيه، ويطالب بحماية مدينته، ويسجل اعتراضه على خسارة رزقه وفقدانه لمعالم مدينته وتبعثر ذكرياته؟
في الوقت الذي وصل فيه الجيش الإسرائيلي إلى قلعة الشقيف ورفع علمه على أسوارها، وفشلت عمليات الحزب العسكرية في حماية مدني واحد في جنوب لبنان، أو حتى حجر، على من يقوم بصرف الوقت على حملات التخوين أن يراجع نفسه، لأنه قد أثبت بشكل قاطع أن أي رغبة للجنوبيين بعودة الدولة هي بداية النهاية لمشروع كبير بدأ منذ ٤٠ عاماً.
اقرأ أيضاً: قلعة الشقيف: هذا تاريخها… من البلقان إلى الخليج العربي