منزل في باريس ثمنه مليوني دولار أميركي اشتراه من نائب سابق. وقصر في شملان بجبل لبنان. وعقارات في القنطاري ووسط بيروت… الأمين العام لمجلس الوزراء محمود مكيّة: من أينَ لكَ هذا؟
كشفت فضيحة محاولة تعيين نجل مفتي بعلبك – الهرمل بكر الرفاعي في موقع مدير عام الهيئة الناظمة للقنّب الهندي، عن متانة وعمق التحالفات والتفاهمات بين “تيار المستقبل” وحزب الله وحركة أمل، ضمن مساعٍ لا تفتر لإعادة إنتاج شبكات النفوذ والإمساك بمفاصل الدولة من داخل مؤسساتها عبر التعيينات، ومدى تداخلها بالمجال الديني.
لكنّها أظهرت أيضاً الأدوار السلبية التي يلعبها الأمين العام لمجلس الوزراء، القاضي محمود مكيّة، بحيث أضحى موقعه بمثابة جيب نفوذ بارز ويحاول أن يكون المرجع السنّي لـ”الدولة العميقة”. الذي يمثّل امتداداً لهذه القوى وتحالفاتها ومصالحها في قلب السراي الحكومي.
عقدة رئيسية في متاهة
تتمتّع الأمانة العامة لمجلس الوزراء بنفوذ يفوق نفوذ الوزراء. وتعدّ العقدة الرئيسية الحاكمة والمقرّرة ضمن متاهة الوزارات والمصالح والدوائر الرسمية. حيث تتحكم بممرّات القرارات الرسمية، وجدول أعمال مجلس الوزراء، وتوزيع الملفات بين الوزارات، وتدير حركة المراسيم والقرارات، وتعدّ الكتب اللازمة لمتابعة الملفات التي ترسلها الإدارات العامة.
عندها تصبّ لوائح المرشحين للتعيينات في محطة أخيرة وحاسمة قبل وضعها على طاولة مجلس الوزراء، بما يمنحها القدرة على إزاحة أسماء مغضوب عليها من هذا الطرف أو ذاك، وإسقاط أسماء ضمن اللائحة عبر ليّ ذراع المعايير القانونية والالتفاف عليها، لإجراء عمليات مقايضة أو فتح “بازار”، ولا سيما أن التقليد درج على تعيين قاضٍ في موقع الأمانة العامة بما يعينه على ابتكار مخارج قانونية ماكرة عند اللزوم.
محمود مكيّة… في “الحشيش” السياسي
هذا ما فعله القاضي مكية في مسألة تعيين مدير عام الهيئة الناظمة للقنّب الهندي، حيث عبّد الطريق أمام تعيين آدم الرفاعي، نجل مفتي بعلبك – الهرمل بكر الرفاعي.
وعلم موقع “الدّولة” من مصادر سياسية بأنّه أسقط اسمه ضمن لائحة منتخبة تقتصر على 3 مرشّحين فقط، من خارج الأطر المتّبعة، رغم معرفته بأنّه لا يزال غير مستوفٍ للشروط المطلوبة.
كما حرص على أن يكون الاسم السنّي الوحيد فيها لضمان اختياره، مقابل استبعاد أسماء سنية أخرى. فوضع اسمين من غير السنّة، بينهما رئيس الهيئة الناظمة للقنب الهندي، داني فاضل، والذي كشف في إطلالة إعلامية أنّ القاضي مكية هو من أبلغه بإدراج اسمه ضمن اللائحة الثلاثية، متعمداً الإيحاء بوجود توجّه لتمكينه من الجمع بين رئاسة الهيئة ومديرها العام، وهو تقليد سارٍ في العديد من المؤسسات والمصالح العامة. بينما واقع الحال أنه أراد استخدامه “كوبري” لجعل آدم بكر الرفاعي الاسم السنّي الوحيد في ظلّ معرفته بأنّ الموقع سيكون سنياً. وكل ذلك جرى بالتنسيق مع القوى الثلاثة: تيار المستقبل، حزب الله، حركة أمل. غير أنّ تسرّب المسألة إلى الإعلام جعل الرئيس نواف سلام يكتشف اللعبة يجمّد التعيين.
من أين لك هذا؟
تطرح المصادر السياسية جملة تساؤلات جوهرية:
- هذا التعيين الاحتيالي جرى إيقافه، لكن من يعلم كم التعيينات التي مرّت بالطرق الملتوية نفسها؟
- وهل هناك ضمانات لعدم تكرار مثل هذه الحادثة في ظلّ كثرة الشغور وكثافة حزم التعيينات، بالتوازي مع الشراهة والشراسة اللتان يبيدهما تيار المستقبل بالتكافل والتعاضد مع حزب الله وحركة أمل للإمساك بمفاتيح النظام؟
- من يضمن عدم وجود مصالح شخصية ومالية للقاضي مكية تقف خلف تدخله في بعض التعيينات والمناقضات والالتزامات؟
في هذا السياق تكشف مصادر مطّلعة وموثوقة لـ”الدوّلة” عن أنّ مكية اشترى شقّة فارهة في باريس يقارب ثمنها مليوني دولار من أحد نواب تيار المستقبل السابقين. وتنكشفت “الشروة” حين اختلفا على من يدفع رسم تسجيل الشقّة المقدر بنحو 50 ألف دولار.
كما أنّه اشترى شقّتين فارهتين في وسط بيروت. بالإضافة إلى امتلاكه العديد من الأصول التي تمنحه ثروة مريبة، ناهيكم عن شبهات تدور حوله في العديد من القضايا، والصراع الذي دار بينه وبين رئيس فرع المعلومات السابق خالد حمود لأسباب شخصية ونسائية، وانتشر خبره في الصالونات السياسية.
ويبدو أنّ مكيّة استشعر بانتشار هذه التساؤلات، حيث عمد إلى ترويج رواية كلاسيكية في مجالسه واجتماعاته بأنّه وارث لثروة عن أبيه، الأمر الذي دفع بأحد النواب إلى القول للرئيس نواف سلام: “طالما أنّه ورث ثروة عن أبيه، لماذا تعمل شقيقته موظفة في مكتبكم في ظلّ حصولها المفترض على حصّتها من هذه الثروة؟”.
ويسأل أحد السياسيين في حديث لـ”الدّولة”: “إذا كان والده ثريّاً، فلماذا تعمل شقيقته بدوام كامل في السراي الحكومي لقاء راتب ألفي دولار؟ ولماذا تعمل زوجته مستشارة لرئيس شركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت؟ ولماذا أخوته الآخرون أحوالهم أقلّ من عادية؟”.
“أبو عمر الأصلي”
علاوة على ذلك، تعيد المصادر التذكير بمناقصة خردة المعادن (Scrap Metal) في مرفأ بيروت في عهد الحكومة السابقة، والتي رست على شركتي النائب السابق طارق المرعبي، ومحمد عريمط نجل الشيخ خلدون عريمط بشكل مشبوه ببصمة الشخصية المزيفة “أبو عمر”.
وتبدي المصادر ارتيابها من كون القاضي مكية شريكاً مساهماً في نموذج “أبو عمر”، بل وربما “أبو عمر الأصلي”، المقتبس الحملة الدعائية لسوبر ماركت رمال الأصلي أبو عامر، التي ضجت بها وسائل الإعلام واللوحات الإعلانية في شوارع العاصمة وجوارها.
هذا أوّل الغيث بالنسبة إلى مكيّة… وموقع “الدّولة” سيفتح ملفّات الفساد في “الدّولة”، ضمن جهود إعادة بناء الدّولة. أيّاً كانت الأسماء، وأينما كانت مواقعها ومناصبها…
وقريباً سيتمّ نشر المزيد من المعلومات حول ثروة مكيّة وثروة عائلته المزعومة، والقضايا المتورّط فيها.
إقرأ أيضاً: انقلاب بوصعب على بعبدا: تفجير الشارع السنّي؟