بعد سنوات كان فيها حزب الله، مدعوماً بـ”العصا الإيرانية”، يتولّى بصورة مباشرة إدارة قنوات التفاوض والاتصالات مع أطراف إقليمية، ويقزد مفاوضات مع وسطاء بينهم قطر وألمانيا وفرنسا وغيرها، سواء في ملفات وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى أو التسويات السياسية، عاد مسار التفاوض اليوم إلى إطاره الطبيعي عبر المؤسسات الرسمية اللبنانية. ولم يعد التواصل الخارجي يمرّ عبر القنوات الحزبية، بل عبر الدولة ممثّلة برئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة والوفد الذي انتدبوه. وهو تحوّل لا يقتصر على تبدّل في الآليات، بل يعكس انتقالاً فعلياً لمركز القرار إلى الدولة اللبنانية، في مسار يبدو أنّه يرسم واقعاً جديداً لا رجوع عنه.
تهاوي السرديّات
منذ الإعلان عن مساعي وقف إطلاق النار، سعت المنصات الإعلامية المحسوبة على حزب الله إلى ربط التطورات بمسار الرسائل بين إيران والولايات المتحدة، في محاولة لتسويق رواية مفادها أنّ طهران هي التي فرضت التهدئة وأنّ إسرائيل رضخت تحت وطأة التهديدات الإيرانية. غير أنّ هذه السردية تبدو أقرب إلى محاولة احتواء الصدمة السياسية والميدانية منها إلى توصيف الوقائع كما هو.
فالغاية لم تكن فقط نسبة الفضل لإيران، بل أيضاً التهرب من الاعتراف بالدور الذي لعبته الدولة اللبنانية ومؤسساتها في إدارة المسار الدبلوماسي، والاستمرار في تخوينها.
التعهّد الذي كشف حجم المأزق
بعيداً عن الضجيج الإعلامي، برز مسار سياسي أكثر دلالة. فقد أفضت الاتصالات بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى طرح شرط أميركي واضح: لا وقف للنار من دون تعهد مباشر بعدم استهداف إسرائيل.
عند هذه النقطة ظهر الرئيس نبيه بري، المؤتمن سياسياً من الحزب والناطق الأكثر موثوقية باسمه في الملفات الحساسة، ليقدم التعهّد المطلوب ويضمن الالتزام بوقف التصعيد.
أهميّة هذه الخطوة لا تكمن في بعدها الدبلوماسي فحسب، بل في كونها تعكس حجم المأزق الذي يواجهه الحزب بعد تراجع قدرته على تحمّل كلفة المواجهة. فالتداعيات لم تعد عسكرية فقط، بل باتت تضغط على البيئة الحاضنة نفسها وتدفع شرائح متزايدة نحو البحث عن حماية الدولة ومؤسساتها، في مشهد يناقض جوهر المشروع الذي قام لسنوات على التشكيك بالدولة واتهامها بالتواطؤ وتحميلها مسؤولية الكوارث التي كانت تُنسب دائماً إلى الآخرين.
الميدان يهزم الرواية
على المستوى العسكري، بدت السرديات التقليدية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
فقد شكّل سقوط قلعة الشقيف وما رافقه من سرعة في التقدم الإسرائيلي ضربة معنوية وسياسية، خصوصاً أنّ الموقع يمثل نقطة استراتيجية بارزة في الجغرافيا الجنوبية. ولم تنجح محاولات التقليل من أهمية الحدث عبر توصيف القلعة كموقع أثري أو سياحي في حجب دلالاته العسكرية الواضحة.
كذلك بدت تبريرات التوغّل الإسرائيلي عبر “طرق مخفية” و”مسارات ملتوية” أقرب إلى الإقرار الضمني بفشل السردية التي روّجت طويلاً لامتلاك معرفة كاملة بالأرض وقدرة استثنائية على ضبط مسرح العمليات. والأكثر مفارقة أنّ الخطاب الذي تحدث سابقاً عن انتظار التوغل البري لتحويله إلى مصيدة استنزاف، تحول فجأة إلى خطاب يتحدث عن المفاجأة والمباغتة.
تسريب أكسيوس وكسر المحظورات
وجاء تقرير “أكسيوس” ليضيف بعداً آخر إلى المشهد. فاللافت أن تفاصيل الاتصالات المرتبطة بمفاوضات وقف النار لم تُكشف عبر قنوات رسمية، بل عبر تقرير نشره الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد.
وتزداد أهمية الأمر مع ما تحدثت عنه تقارير وتحليلات إعلامية بشأن قرب رافيد من دوائر القرار والأمن في إسرائيل، ما منح التسريب بعداً يتجاوز السبق الصحافي إلى الرسالة السياسية المقصودة. كما أنّ إبراز اسم علي حمدان، أحد أكثر الشخصيات التصاقاً بالرئيس بري وإدارة قنواته السياسية والدبلوماسية، حمل دلالة واضحة على أنّ ما كان يُدار في الغرف المغلقة بات جزءاً من المشهد العلني.
ومن هذه الزاوية، بدا التسريب محاولة لإظهار أن الاستعصاء اللبناني انكسر تحت ضغط الوقائع الميدانية، وأن قنوات التواصل والتعهدات التي كانت تُقدَّم للجمهور باعتبارها من المحظورات أصبحت جزءاً من واقع لا يمكن إخفاؤه.
بين مبادرة الأمس واتصال اليوم
اللافت أنّ المشهد الحالي يعيد التذكير بمحطّة سابقة عندما طُرحت مبادرة داخلية لوقف الحرب، فشهدت بيروت حينها زيارة سريعة لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في ١٢ أكتوبر ٢٠٢٤ ، في خطوة فُهمت على نطاق واسع كمحاولة لفرملة أي مسار لبناني مستقل نحو التهدئة وربط القرار اللبناني بالحسابات الإيرانية.
أما اليوم، فإنّ المشهد يبدو مختلفاً. فمع ارتفاع الكلفة إلى مستويات وجودية، لم يعد بإمكان لبنان انتظار التوقيت الإيراني. ومن هنا تبرز دلالة اتصال قاليباف الأخير بالرئيس بري، وإعلان بري نفسه عن هذا الاتصال وشكره للدعم الإيراني. فالمقارنة بين المحطتين توحي بأنّ الأولوية باتت لوقف النزيف اللبناني، فيما تسعى طهران في المقابل إلى الحفاظ على دورها السياسي ومحاولة نسبة أي إنجاز دبلوماسي إلى نفوذها الإقليمي.
ما يجري اليوم ليس مجرّد تفاوض على وقف إطلاق النار، بل لحظة تتهاوى فيها سرديات تراكمت على مدى سنوات. فبين تعهدات تُقدَّم عبر الدولة، ومحاولات مستمرة لتخوينها، وبين وقائع ميدانية تضغط باتجاه التسوية وخطابات إعلامية تحاول إعادة تدوير التراجع على شكل انتصار، يتكشف مشهد جديد عنوانه الأبرز أنّ الوقائع باتت أقوى من الروايات، وأنّ منطق الإنقاذ فرض نفسه في نهاية المطاف على منطق الشعارات.
إقرأ أيضاً: تحوّلات البيئة الشيعية (1): انهيار عسكريّ… وسياسيّ