تراجع كثيراً في الأسابيع الأخيرة، حتّى اختفى، خطاب تمجيد الحذاء العسكري لحزب الله وفيديوات “فدا إجر السيد” و”فدا المقاومة” اختفت نهائياً من التداول. مقارنة بحرب 66 يوماً في 2024، وحرب تموز 2006… وحلّ مكانها خطاب الحسرة والتفجّع والنواح والبكاء على الأملاك والأرزاق والشهداء والذكريات… وبرز “نداء صور” و”نداء النبطية” كواحة كبيرة إلى جانب واحات “التمرّد” الإعلامية.
للمرّة الأولى منذ عقود، انحسرت الفيديوات والمنشورات التي تقدّس الحذاء العسكري. والتي كانت تقدّم المقاتلين باعتبارهم “رجال الله في الميدان”. وحلّت مكانها فيديوات الحسرة والتفجّع. مع صور المجازر التي لا تتوقف، والشبّان الذين تستهدفهم الطائرات المسيّرة يومياً على الطرق في كلّ أنحاء الجنوب.
وبرز خطاب جديد هو خطاب البكاء والتفجّع والنواح، ليس فقط على الخسائر البشرية، بل أيضاً على تدمير البيوت والقرى، وضياع الأرزاق والمؤسسات والذكريات والأغراض الشخصية…
هو خطاب الرثاء والحسرة، خصوصاً مع تدمير قرى لم تكن على “خريطة التدمير” منذ العام 1978، خلف خطّ القرى الأمامي، وصولاً إلى النبطية وصور. قرى لم تعانِ سابقاً من التدمير والقصف الإسرائيلي إلا بوصفه “اعتداءات” بالمدفعية أو الصواريخ. في حين عاشت للمرّة الأولى “الإبادة الكاملة” أو بداياتها، كما قرى الشريط الأمامي من القرى التي “اعتادت” التدمير…
مناوشات حركة أمل وحزب الله
إلى جانب ارتفاع خطاب الانهزام، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي، للمرّة الأولى منذ عقود أيضاً، انقساماً واضحاً ومتصاعداً بين مناصري حركة أمل وحزب الله… ومن يعرف، يعرف أنّ لا شيء بين هذين الحزبين هو وليد الصدفة. لأنّ الجيش الإلكتروني، في الجهتين، تمسك به الأجهزة الأمنية في التنظيمين، وفق موازين دقيقة.
فقد شهدت منصّة “إكس” خصوصاً مناوشات مستمرّة بين جمهورية “حركة أمل” و”حزب الله”. وبدت بارزة نقمة جمهور “أمل” على الحزب، ورفض هذا الجمهور الحرب. وتحميل حزب الله مسؤولية تدمير البيوت والقرى والمدن.
نهاية “سننتصر حتماً”… والهجرة والتهجير
أيضاً من التغييرات العميقة أيضاً، نهاية جملة “سننتصر حتماً”، التي كانت توزّع بتوقيع نصر الله. وذلك بالتزامن مع السقوط السريع لقرى نهر الليطاني، أبرزها زوطر ويحمر وأرنون خلال ساعات وأيام، خلافاً لصمود الخيام وبنت جبيل…
يأتي هذا عشية انتشار تقارير غير موثّقة رسمياً بعد، تتحدّث عن هجرة عشرات الآلاف من الشيعة اللبنانيين في العامين الأخيرين، خرجوا من مطار بيروت ولم يعودوا… في ما يمكن وصفه ببداية “تهجير” دائم، صوب الغرب عموماً، والعراق خصوصاً… يشبه التهجير الذي أصاب المسيحيين في بداية التسعينات، مع هزيمتهم السياسية والعسكرية أمام تطبيق النسخة “السورية الأسدية” من اتفاق الطائف.
نداء صور والنبطية: لقد أسمَعتَ لو ناديتَ حيّاً…
قبل أسبوع تقريباً، وقّع مئات الناشطين اللبنانيين الشيعة “نداء صور” الذي يدعو إلى “إعلان صور مدينة مفتوحة وخالية من السلاح بما يضمن عودة أهلها وتأمين الحماية للنازحين… في محاولة لوقف تدمير مدينتنا الحبيبة صور، آملين بوقف شامل للنار على كافة الأراضي اللبنانية “.
بعد ساعات خرج “نداء النبطية” الذي وقّعه 220 شخصية شيعية، ودعا إلى “إعلان مدينة النبطية ومحيطها منطقة آمنة ومفتوحة، تحت رعاية الدولة اللبنانية وسلطتها الشرعية، وخالية من كل ما يعرّض أهلها للخطر، بما يسمح بعودة سكانها إليها، ويؤمّن الحماية للنازحين والوافدين والمقيمين فيها، ويجنّب المدينة المزيد من الدمار”.
هذان النداءات، وما رافقهما من تهليل وهجمات ومن ترحابٍ ونقدٍ، هما استمرار لمئات الصارخين في هذه البريّة وأمام مهزلة المقتلة العارمة والتدمير والإبادة الشاملة لجبل عامل. وهما، إلى التواقيع المرفقة بهما، يكمّلان صرخات التيكتوك وانقلاب المؤثّرين وأبواق حزب الله على سرديته (كما ورد في الحلقة الثانية من هذه السلسلة). ويضيفان الكثير إلى الذين حملوا رايات الاعتراض بقسوة وجرأة منذ سنوات.
لكنّ الأهمّ هو تحوّل هذه النداءات والاعتراضات والصرخات، إلى تنظيم ضخم، مدعوم عربياً ودولياً، لمحاولة نقل المعترضين والمنقلبين، والمعارضين والمستقلّين، إلى الجهة الصحيحة من التاريخ. لأنّ الذين يعجزون عن إيجاد سقف بديل لسقف حزب الله وإيران، لن يتركوا “البيت” التقليدي…
لا بدّ من مشروع كبير يجمع هذه الأصوات والنداءات، وينشئ شبكة مصالح جديدة، بوجوه جديدة، شجاعة، وصادقة، ومستعدّة للانتقال إلى “الجانب الصحيح من التاريخ”.
إقرأ أيضاً: تحوّلات شيعية (2): انهيار منظومة الإعلام… وتمرّد “الأبواق”