معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

استهداف عميد في الجيش: إسرائيل أخطأت الهدف أم خُدعت في تحديده؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

 

هل كانت إسرائيل تعرف بدقة من تستهدف عندما قصفت الآلية العسكرية على طريق الخردلي؟

هل كان العميد الركن وسام صبرا، قائد اللواء السابع في الجيش اللبناني، هدفاً مقصوداً بحد ذاته؟ أم أن الضربة جاءت نتيجة معلومات أو تقديرات دفعت غرف العمليات الإسرائيلية إلى الاعتقاد بأنها تتعقب هدفاً مختلفاً؟

وهل يمكن، في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، استبعاد احتمال أن تكون أطراف أخرى قد وجدت مصلحة في توجيه الأحداث نحو نتائج تخدم حساباتها الخاصة؟

قد لا تكون هناك اليوم إجابات حاسمة على هذه الأسئلة، لكن خطورة الحدث وتوقيته يفرضان طرحها. فاستشهاد العميد الركن وسام صبرا إلى جانب النقيب إيلي الخوري والعسكري حسين غزال لم يأتِ في مرحلة عادية، بل تزامن مع مسار تفاوضي دقيق يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية في الجنوب.

 

عندما يصبح التوقيت جزءاً من الحدث

في الحروب، لا تكتسب الأحداث أهميتها من طبيعتها فحسب، بل من توقيتها أيضاً.

فالجيش اللبناني يقف اليوم في قلب أي تصور مطروح لمستقبل الجنوب، سواء لجهة تثبيت الاستقرار أو لجهة تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية. ومن هنا، فإن استهداف قائد لواء عامل في المؤسسة العسكرية يطرح تلقائياً أسئلة تتجاوز الخسارة العسكرية المباشرة إلى أبعاد سياسية ومعنوية أوسع.

ففي لحظة تتجه فيها الأنظار إلى الجيش باعتباره أحد أعمدة المرحلة المقبلة، يصبح من المشروع التساؤل عمن يمكن أن يستفيد من توجيه ضربة معنوية إلى المؤسسة العسكرية أو من إضعاف الثقة بدورها وقدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها.

هل يمكن أن تكون المعلومات نفسها جزءاً من المعركة؟

في الحروب الحديثة، لا تُبنى قرارات الاستهداف على الرصد المباشر وحده، بل على شبكة واسعة من المعلومات والتقديرات والإشارات الاستخباراتية. ولهذا لا يستبعد خبراء الأمن، من حيث المبدأ، أن تؤدّي معلومات ناقصة أو مضللة أو غير دقيقة إلى دفع طرف ما نحو استهدافات لم يكن ليختارها لو امتلك صورة مختلفة.

من هذه الزاوية، يبرز سؤال يصعب تجاهله: هل كانت إسرائيل تستهدف العميد صبرا فعلاً، أم أنها تحركت بناءً على معطيات جعلتها تعتقد أنها تتعقّب هدفاً آخر؟

لا توجد أدلة معلنة تسمح بحسم هذا الاحتمال، لكن مجرد طرحه لا يبدو غريباً في منطقة لطالما شهدت تداخلاً بين العمليات العسكرية والحسابات الاستخباراتية المعقدة، حيث لم تكن النتائج دائماً مطابقة للأهداف المعلنة.

نمط يفرض التساؤل

ما يمنح هذه الأسئلة قدراً إضافياً من المشروعية أن استهداف العميد صبرا لا يأتي منفصلاً عن سلسلة أحداث أخرى تركت أثراً عميقاً داخل المجتمع اللبناني، ولا سيما في البيئات الجنوبية المرتبطة تقليدياً بفكرة الدولة والجيش.

فمن المأساة التي هزّت الرأي العام اللبناني قبل أربعة أيام فقط وأودت بالطالبة ثيودوسيا كرم ووالدها وشقيقها، إلى مقتل الأب بيار الراعي في القليعة في آذار الماضي، وهي الحادثة التي دفعت البابا لاون الرابع عشر إلى تخصيصه بالذكر في بيان رسمي أعرب فيه عن حزنه العميق للضحايا الأبرياء في الشرق الأوسط، تتراكم وقائع تركت أثراً خاصاً داخل مجتمعات ترى في الدولة والجيش والكنيسة ركائز أساسية للاستقرار والحماية.

بطبيعة الحال، لا تشكّل هذه الوقائع دليلاً على وجود مخطّط أو عملية توجيه متعمدة للأحداث. لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول النتائج التي تتركها، وحول ما إذا كانت بعض الأطراف تجد نفسها مستفيدة، بقصد أو من دون قصد، من تعميق الشعور بالخوف والهشاشة وإضعاف الثقة بالمؤسسات الشرعية.

بين الجيش والكنيسة والمجتمع المحلي

تكمن أهمية هذه الوقائع في أنّها لا تطال أفراداً فقط، بل تطال رموزاً ومؤسسات أيضاً.

فالجيش بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين يمثل آخر مؤسسات الدولة القادرة على جمع اللبنانيين تحت مظلة واحدة. والكنيسة تشكل مرجعية روحية واجتماعية راسخة في العديد من المناطق الجنوبية. وعندما تتعرّض شخصيات مرتبطة بهاتين المؤسستين لخسائر مؤلمة في فترة زمنية متقاربة، يصبح من الطبيعي أن تتسع دائرة التساؤلات حول التداعيات التي تتجاوز البعد الأمني المباشر.

وهنا لا يعود النقاش محصوراً بمن نفذ الضربة أو أصدر القرار، بل يمتد إلى النتائج التي ترتبت عليها وإلى الجهات التي قد تستفيد من تعقيد أي مسار يهدف إلى تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها في هذه المرحلة الحساسة.

بين الروايات والوقائع

اللافت أيضاً أن بعض المنابر والشخصيات المحسوبة على محور الممانعة سارعت منذ الساعات الأولى إلى الجزم بأن إسرائيل كانت تستهدف العميد صبرا شخصياً.

قد تكون هذه الرواية صحيحة، وقد تكون مستندة إلى معطيات لا يملكها الرأي العام. لكن سرعة حسمها تطرح سؤالاً موازياً: هل كانت الوقائع المتوافرة كافية فعلاً للوصول إلى هذا اليقين المبكر، أم أن القضية لا تزال تحتمل أكثر من قراءة؟

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم من ضغط على الزناد، بل من استفاد من النتيجة.

ففي منطقة اعتادت تداخل الحروب بالمصالح الإقليمية والحسابات المتشابكة، كثيراً ما تكشف دراسة النتائج السياسية ما تعجز الوقائع الأولية عن كشفه. وبين التسرّع في إصدار الأحكام والتردّد في طرح الأسئلة، تبقى المقاربة الأكثر عقلانية هي إبقاء جميع الاحتمالات المشروعة مفتوحة إلى أن تتوافر حقائق قادرة على ترجيح رواية على أخرى.

 

اقرأ أيضاً: تحوّلات شيعية (3): نهاية “فدا الصرماية”… وتوسّع المعارضة