معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

نقد “العقل الاستراتيجي الممانع” (1): أين “الإنسان العادي”؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

كيف خسر اللبنانيون الحرب قبل أن تنتهي؟

ليس أخطر ما تخلّفه الحروب عدد القتلى أو حجم الدمار، بل قدرتها على تحويل الكارثة إلى قدَر، والخطأ إلى عقيدة، والخيار السياسي إلى حقيقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد والمساءلة... ونسيان “الإنسان العادي”.

 

هذا ما يواجهه لبنان اليومَ، وما يواجهه الشيعة اللبنانيون بصورة خاصة بعد سنوات طويلة من الصراعات المفتوحة التي انتهت إلى ما يمكن تلخيصه بثلاث كلمات: التهجير والتقتيل والترميد.

فالاستراتيجية الإسرائيلية في الجنوب لم تقتصر على مواجهة المقاتلين أو تحقيق أهداف عسكرية مباشرة، بل قامت على تفريغ الأرض من سكانها، وتدمير شروط الحياة فيها، وتحويل العودة إليها إلى مهمة شبه مستحيلة. فكل بيت يُهدَم، وكل مؤسسة تُقفل، وكل عائلة تُهجَّر، يجعل الاحتلال أكثر رسوخًا حتى لو لم يُعلن ذلك رسميًّا.

من هنا يبرز السؤال الذي يتجنّب كثيرون طرحه: هل خسر لبنان الجنوب؟

قد يبدو السؤال مبكِّرًا أو متشائمًا، لكنه يصبح مشروعًا عندما نلاحظ أنّ الزمن لا يعمل لمصلحة السكان. فكل يوم يمر من دون حل سياسي واضح ونهائيّ يجعل العودة أكثر صعوبة، ويحوّل النزوح المؤقت إلى تهجير طويل الأمد.

المأساة المنسية

في خضم النقاشات العسكرية والسياسية، يكاد يغيب الإنسان العادي عن المشهد.

نتحدث كثيرًا عن الجبهات والسلاح والخرائط، لكننا لا نتحدث بما يكفي عن النازح الذي يستنزف مدخراته يومًا بعد يوم، وعن العائلة التي تدفع إيجاراتٍ ومصاريفَ إضافية لا قدرة لها على تحملها، وعن آلاف اللبنانيين الذين لم تُدمَّر منازلهم كليًّا لكنهم فقدوا القدرة على العيش فيها.

كل يوم يمر من دون حل هو جحيمٌ ماليّ واجتماعيّ جديد. وسيأتي وقت، إن طال النزوح، يجد فيه كثيرون أنفسهم عاجزين حتى عن تأمين الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.

والمشكلة أنّ اتفاقات وقف إطلاق النار تتناول عادة المسائل الأمنية والعسكرية، لكنها لا تتناول بالقدر نفسه قضية التعويضات وإعادة الإعمار وعودة الأهالي. والحال أنّ العودة ليست قرارًا نفسيًّا أو وطنيًّا فقط، بل أيضًا قدرة اقتصادية ومادية.

فلا عودةَ من دون إعادة إعمار، ولا إعادةَ إعمار من دون تعويضات، ولا تعويضاتٍ من دون إرادة سياسية ودبلوماسية تضع هذه القضية في صدارة الأولويات.

من ثقافة المواطن إلى ثقافة المكلّف

غير أنّ المأساة لا تتعلق بالحرب وحدها، بل أيضًا بطريقة التفكير التي أدارت الحرب.

لقد شهد جزء من البيئة السياسية الشيعية خلال العقود الماضية انتقالًا تدريجيًّا من أفهوم المواطن إلى أفهوم المكلّف.

المواطن، في المبدأ، يحاسب ويقارن بين الأرباح والخسائر، ويقيس السياسات بنتائجها الواقعية. أما المكلّف فينظر أولًا إلى شرعية القرار ومصدره، لا إلى نتائجه.

وعندما تسود ثقافة التكليف، تصبح الأسئلة المتعلقة بجدوى الحرب وكلفتها ومآلاتها أسئلةً ثانوية. فالمهم أن يكون الواجب قد أُدّي. أما النتائج فتُترك للتاريخ أو للغيب أو حتى للمستقبل.

هنا تكمن إحدى أخطر المشكلات الفكرية والسياسية: فقد يكون الإنسان صادقًا ومخلصًا في أداء ما يعتقد أنّه واجبه، لكنه مع ذلك يقود جماعته إلى كارثة تاريخية، بل إلى نكبةٍ بكل ما للكلمة من معنًى.

مأزق حروب الإسناد

من هذا المنطلق يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا: ماذا جنى لبنان من حروب الإسناد المتعاقبة؟

فالسياسة ليست امتحانًا للأخلاق المجردة، بل أيضًا فن حماية المصالح الوطنية.

ومن حق المواطن اللبناني أن يسأل عن الثمن الذي دفعه لبنان مقابل انخراطه في صراعات إقليمية متعددة، وعن المكاسب التي تحققت فعليًّا بعد كل هذه التضحيات البشرية والاقتصادية والعمرانية.

فلا يكفي أن تكون القضية عادلة، بل يجب أيضًا أن تكون الاستراتيجية قادرة على تحقيق أهدافها ضمن ميزان معقول وشبه متوازن من الكلفة والنتائج.

نقد العقل الاستراتيجي الممانع

تكمن المشكلة الأعمق في ما يمكن تسميته بـ”العقل الاستراتيجي الممانع”. فهذا العقل لا يفكر في الحرب بوصفها وسيلة لتحقيق أهداف سياسية محددة، بل بوصفها حالة تاريخية مستمرة. وهو ينطلق من افتراض أنّ الصمود شكل من أشكال النصر، وأنّ إلحاق الأذى بالعدو دليلٌ على النجاح حتى لو كانت الخسائر الذاتية أكبر بكثير.

لذلك لا تؤلّف الهزيمة العسكرية أو السياسية مأزقًا حقيقيًّا بالنسبة إليه، لأنها تتحول دائمًا إلى محطة على طريق انتصار مؤجل.

لكن التجارب الحديثة أظهرت أن أذية العدو لا تعني هزيمته، وأن طول الحرب لا يعني الاقتراب من النصر. بل إنّ المجتمعات التي تخوض الحروب الطويلة هي غالبًا أول من يدفع أثمانها. من هنا تصبح مراجعة هذا العقل ضرورة وجودية لا ترفًا فكريًّا.

الغلطة المؤسِّسة

ربما كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبه اللبنانيون بعد عام 2000 هو القبول باستمرار الازدواجية بين الدولة والسلاح.

فقد كان لا بد من حسم المسألة في أحد اتجاهين واضحين: إما أن تصبح السلطة السياسية والعسكرية موحدة تحت سقف الدولة، وإما أن تتولى القوة المسلحة مسؤولية الحكم كاملة بحيث تحاسبها الناس على أدائها كما تحاسب أي سلطة أخرى.

أما استمرار الوضع الهجين بين دولة لا تحتكر قرار الحرب والسلم وقوة عسكرية مستقلة عنها، فقد أدخل لبنان في مأزق تاريخي ما تزال نتائجه وتداعياته تتراكم حتى اليوم.

ما كان يجب أن يحصل

لو امتلك لبنان دبلوماسية أكثر فاعلية وحضورًا، لكان من الممكن السعي إلى شروط أفضل بكثير في اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

كان يمكن تثبيت جدول زمني واضح لعودة الأهالي، وجدول مماثل للانسحاب من المناطق المحتلة، وإدراج قضية التعويضات وإعادة الإعمار ضمن صلب التفاهمات بدل تركها للمستقبل المجهول.

لكن الوقت الذي ضاع في الميدان لم يُعوَّض في السياسة، والفرص التي أُهدرت على طاولة الدبلوماسية قد تكون مكلفة بقدر كلفة الحرب نفسها.

 

إقرأ أيضاً: بعد تدمير المجتمع الشيعي… عن أيّ انتصار تتحدّثون؟