معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

جمهور الحزب vs فلسطين: نهاية الغرام؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

لا تتغير علاقة المجتمعات بقضاياها الكبرى دفعة واحدة، بل عبر تراكم الصدمات والتجارب، والأهم عبر إعادة تفسيرها. والحرب الأخيرة، بمساراتها وتطوّراتها ونتائجها، فرضت على جزء من مجتمع «حزب الله» مراجعةً ضمنية لطبيعة علاقته بالقضية الفلسطينية وبـ «المقاومة الفلسطينية» على حدٍّ سواء.

 

أعادت الحرب بين «حزب الله» و«إسرائيل» تعريف العلاقة التي تربط جزءًا من مجتمع «حزب الله» بالقضية الفلسطينية عامةً، وبـ «المقاومة الفلسطينية» على وجه الخصوص.

فمع تطوّر الحرب ومسارها، لم يعد قرار الدخول في «حرب الإسناد» عام 2023 يُقرأ عند الجمهور الأوسع لـ «حزب الله» كالتزامٍ أخلاقي وديني يُحتِّمُ على الحزب «نُصرة» الأطفال والنساء في غزّة، بل بات يُطرحُ أيضًا بوصفه خيارًا سياسيًا/أمنيًا يهدف، بحسب البعض، إلى إفقاد «إسرائيل» عُنصر المفاجأة على «الجبهة اللبنانية».

يقوم هذا التَّحوُّلُ على افتراضٍ ضمنيٍّ يرى أن «إسرائيل» كانت ستشنُّ حربًا واسعةً ضدَّ «حزب الله» حتى لو لم يتَّخذ الحزب قرار الدخول في «حرب الإسناد».

وبالرغم من أن تبرير القرار باعتباره خيارًا سياسيًا/أمنيًا كان يحظى بتأييد لدى شريحة من هذا الجمهور، إلا أنّ الالتزام الأخلاقي والديني بفكرة «النصرة» ظل، في الوعي العام، أكثر حضورًا وتأثيرًا من أي تبرير آخر.

تحولات أهداف الحرب

مع بدء الحرب الشاملة في 23 أيلول 2024 بدأ الخطاب العام لمجتمع «حزب الله» يزيد من أهمية التبرير السياسي/الأمني لقرار دخول الحرب على حساب التبرير الأخلاقي والدِّيني الذي راح بدوره يتضاءل ويخف تأثيرُه مع ازدياد حدة الحرب إلى أن بات أقل حضورًا اليوم من أي تبريرٍ آخر.

ترافق هذا التحوُّل مع تحوُّلٍ في الرواية الرسمية التي يقدمها «حزب الله» للحرب، حيث باتت الحرب بعد 23 أيلول حربًا دفاعيةً عن «لبنان وشعبه» بعد أن كانت حربَ «إسناد» لغزة. وظهر هذا في بيانات الحزب التي تحوّلت «إسناداً لغزّة» إلى «دفاعاً عن لبنان وشعبه».

وتحوَّلت الصُّور والمقاطع التي توثق الجرائم الإسرائيلية في الجنوب و«الضاحية» والبقاع إلى مادَّةٍ شغلت مجتمع «حزب الله» عن تلك التي توثق جرائم «إسرائيل» في غزة.

هذه التحوُّلات تُعتبرُ طبيعية، بل بدهيَّة، لكون الثقل العسكري للحرب في المنطقة انتقل من غزّة إلى لبنان. وبالتَّالي فإنَّ محلَّ النقاش ليس هذا التَّحوُّل في ذاته وإنَّما انعكاس هذا التَّحوُّل في طبيعة الحرب على علاقة مجتمع «حزب الله» بالقضيَّة الفلسطينيَّة التي تُمثِّلُها حركة «حماس» بوصفِها المُمثِّل «الشَّرعي» للقضية الفلسطينيَّة عند مجتمع «حزب الله».

سقوط نظام الأسد

شكَّل سقوط نظَّام بشار الأسد ضربةً كبيرةً للمحور الإيراني في المنطقة. وشكَّل أيضًا صدمةً كبيرةً لدى فئةٍ واسعةٍ من جمهور «حزب الله» الذي لم يصدِّق الحدث وظلَّ مقتنعًا أنَّ الأسد سيعود ليحكم سوريا. لكنَّ الصَّدمة الأكبر تتمثَّل في موقف حركة «حماس» من سقوط الأسد، حيث أبدى كثيرٌ من جمهور الحزب انزعاجهم من «فرح» جمهور حماس بسقوط الأسد.

هذا الموقف لحماس أعاد التبرير الأخلاقي/الدِّيني لقرار دخول «حرب الإسناد» إلى الواجهة بشدَّة وذلك للالتفاف على واقع أنَّ من ساندهم «حزب الله» ودفع ثمن مساندتهم غاليًا هم الآن يفرحون بسقوط «خط الإمداد» الذي دفع الحزب أكثر من 4000 مقاتل، بحسب بعض التقديرات، للحفاظ عليه.

يُغفلُ هذا الالتفاف صفحاتٍ من تاريخ العلاقة المتوترة بين حركة «حماس» ونظام الأسد من جهة، وبينها وبين «حزب الله» نفسه من جهة ثانية، في السنوات الأولى للحرب في سوريا. ورغم أنَّ العلاقة بين الأحزاب والكيانات السياسية أكثر تعقيدًا من هذا، لكن يبقى أنّ الجمهور لا يبني مواقفه على أساس هذه التعقيدات.

«طوفان الأقصى» والمؤامرة

اليوم، بات جزء من جمهور «حزب الله» الأوسع يطرحُ تساؤلاتٍ حول عملية «طوفان الأقصى» ويتداول أفكارًا وسيناريوهات تحملُ اتهامًا ضمنيًا، ومباشرًا أحيانًا، لحركة «حماس» ويحيى السنوار بالعمالة لـ «إسرائيل»!

هذه الأفكار التي تُقدِّمُ «طوفان الأقصى» كعملية تسليم غزَّة والمنطقة لـ «إسرائيل» التي تُطرحُ اليوم من قبل جمهور الحزب كانت تُواجه من الجمهور نفسِه بالتَّخوين والاتِّهام حين كانت تُطرحُ من قبل مُعارضي المحور الإيراني في الأسابيع والأشهر الأولى التي تلت «طوفان الأقصى».

على سبيل المثال، لا الحصر، حين كان يطرحُ البعضُ أنَّ القُدرة التكنولوجية الإسرائيلية والهوس الأمني بالحدود يجعل من هذا «الاجتياح الفلسطيني» لـ «حدود إسرائيل» محلَّ تساؤلٍ كبيرٍ، كان هذا الطَّرحُ يُواجَه باتِّهام صاحبه بالخيانة، أو بالاستخفاف بـ «قُدرات المُقاومة» بالحد الأدنى. لكنَّه اليوم يُطرحُ في السجالات اليومية داخل مجتمع «حزب الله» وبين جمهوره الأوسع القابل للأخذ والرد، أي الجمهور غير المؤدلج. بل أكثر من ذلك، قيادات «حماس»، ورموز فلسطينية أخرى، تُشتم وتُلعن داخل مُجتمع «حزب الله» لأنَّ هذه القيادات، باعتقاد الشاتمين، هي التي ورَّطت المحور الإيراني، و«حزب الله» بالدرجة الأولى، بهذه الحرب التي دفع فيها أثمانًا غير مسبوقة.

الاعتراض الضمني على «حزب الله»

هذا التحوُّل في علاقة الجمهور الأوسع لـ «حزب الله» بالقضية الفلسطينية، أو بالأحرى بـ «المقاومة الفلسطينية» التي تمثِّلُها حركة «حماس»، وحركة «الجهاد الإسلامي» بدرجةٍ أقل، يُمكن تفسيرُه بأنَّه عملية مزدوجة تنطوي ضمنيًا على أمرَيْن:

  • الأول هو الاعتراض على قرار «حزب الله» بدخول الحرب إسنادًا لحركة «حماس»، بغضِّ النَّظر عن مبررات الحزب لقراره.
  • والثَّاني هو الحفاظ على «ماء وجه» الحزب وجمهوره عبر إسقاط القدر الأكبر من المسؤولية عنه وتحميلها لحركة «حماس» تارة، ولـ «إسرائيل» تارةً أخرى.

في حين أنَّ المسؤولية التي تتحمَّلُها «حماس» و«إسرائيل» ليست أكبر من تلك التي يتحمَّلُها «حزب الله»، أي مسؤولية إدخال لُبنان في الحرب. من هُنا، يبدو أنَّ هذا التَّحوُّل في أولويَّة القضية الفلسطينية ليس نتيجةً لانشغال مجتمع «حزب الله» بالكوارث التي نزلت به فقط، بل قد تكون آليةً، لاواعية غالبًا، للاعتراض على قرار «حزب الله» بدخول الحرب دون تحمُّل تبعات وتكاليف «الخروج عن الجماعة» بسبب هذا الاعتراض!

 

إقرأ أيضاً: كوهين يهدّد: بيروت والضاحية ضمن بنك الأهداف