معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

بري يردّ على بري

المساعدة البصرية: حجم الخط

كيف تبدّل خطاب الرئيس برّي مع تبدّل الطرف الموقِّع على الإتفاق؟ وهل ما وصفه برّي بأنّه “يحفظ سيادة لبنان” غيّر بسرعة حياة الجنوبيين على أرض الواقع، مقارنة بالإتفاق السابق الذي وصفه بـ”الهجين”؟

 

 السّيادة بين نصّين

لا يختلف الاتفاقان جوهرياً في ما يخص سيادة لبنان. فإتفاق واشنطن نصّ على حصرية القوّات الأمنية اللبنانية في سيادة لبنان ودفاعه الوطني، عبر إنشاء مناطق تجريبية يديرها الجيش اللبناني حصرياً. أمّا مذكّرة جنيف فاكتفت بالإشارة إلى لبنان في ثلاثة مواضع والتأكيد على احترام السيادة اللبنانية بصيغة عامة دون آلية تنفيذيّة. وفي الحالتين، بقي الالتزام الإسرائيلي مشروطاً بنزع سلاح حزب الله..

فإذا كان مضمون “السيادة” متشابهاً بهذا الحدّ، يبقى السؤال: ما الذي تغيّر فعلياً في خطاب برّي بين “الهجين” و”الحافظ للسيادة”؟

حين كان الاتفاق “هجيناً”

في السياسة اللبنانية، قد يختلف السياسيون على كل شيء، لكن نادراً ما يجد المرء سياسياً يحتاج إلى الرد على نفسه. أما في حالة الرئيس نبيه بري، فيبدو أن الأرشيف قرر أن يدخل على خط النقاش.

فحين طُرح الاتفاق الأميركي قبل أشهر، لم يتردّد برّي في وصفه بـ”الاتفاق الهجين” و”المفخّخ” في بدايته وأنّ “الباقي جائر لا يستحق الذكر”، . كان الوصف قاسياً وحاسماً ولا يحتمل الكثير من التأويل.

حين بات الاتفاق “يحفظ السيادة”

أما اليوم، ومع الاتفاق الذي حظي بمباركة طهران، تبدو النبرة مختلفة إلى حد يدفع المتابع إلى الاعتقاد بأننا أمام مشهد سياسي آخر بالكامل، حيث قال برّي عن الإتفاق أنه “لمصلحة جميع الأطراف”  و”يحفظ سيادة لبنان” و أنّ “المقهور من الإتفاق الأميركي- الإيراني غير فخور بلبنانيته”..هنا يصبح الترحيب بالاتفاق أمراً بديهياً، فيما يتحول الاعتراض عليه إلى موقف يحتاج صاحبه إلى كثير من الشرح والتبرير.

المشكلة ليست في تبدّل المواقف بحد ذاته. فالسياسة ليست نصّاً مقدساً، والوقائع تتغيّر والحسابات تتبدل. لكن ما يثير الفضول هو هذه المسافة الشاسعة بين التوصيفين، والرحلة السياسية التي بدت أطول بكثير من الفترة الزمنية القصيرة التي تفصل بينهما.

الميدان لا يهتم بالأوصاف

فالنتائج الميدانية لا تبدو شديدة الاهتمام بالسجال السياسي الدائر حول الأوصاف. فالصواريخ لا تسأل إن كان الاتفاق “هجيناً” قبل أن تنطلق، والطائرات لا تدقق في هوية الراعي السياسي قبل أن تقصف، والقرى الحدودية لا تجد فرقاً كبيراً بين اتفاق يُرفض واتفاق يُحتفى به إذا كانت النتيجة واحدة.

مأساة الجنوبيين مستمرّة

والمفارقة الجوهرية أنّ القصف استمر في الحالتين. فعندما كان الاتفاق موضع اعتراض، لم تتوقف النار. وعندما أصبح موضع ترحيب، لم تتوقف النار أيضاً. أما الجنوبيون الذين اعتادوا دفع الفواتير المؤجلة للصراعات الإقليمية، فلم يلمسوا حتى الآن فارقاً يوازي حجم الجدل السياسي الدائر حول التسميات.

أسئلة معلّقة

متى يصبح الاتفاق هجيناً؟ ومتى يصبح مقبولاً؟ وهل تُقاس قيمة الاتفاق بنتائجه على الأرض أم بهوية الجهات التي صاغته أو باركته؟

في بلد اعتاد تحويل السياسة إلى معركة مصطلحات، ينشغل الجميع أحياناً بالاسم فيما تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة. كأن الخلاف لم يعد على مضمون الاتفاق بقدر ما أصبح على الجهة التي يحق لها أن تتبناه.

واقع جديد لا قاموس جديد

والحال أنّ اللبنانيين لا يبحثون عن قاموس سياسي جديد، بل عن واقع جديد. لا يهم كثيراً إن كان الاتفاق هجيناً أو أصيلاً أو أي وصف آخر، بقدر ما يهم إن كان قادراً على وقف الاستنزاف المستمر وإخراج البلاد من دوامة الأثمان المفتوحة.

التحدي الحقيقي: الأرشيف لا الخصوم

لهذا السبب، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام الرئيس بري اليوم ليس خصومه السياسيين، بل تصريحاته السابقة. فالمعارض يمكن الرد عليه بسهولة، أما الأرشيف فله عادة مزعجة في لبنان: لا يصوّت، ولا يشارك في المفاوضات، لكنه يحتفظ دائماً بنسخة عن كل شيء.

 

قرأ أيضاً: الدولة العميقة في لبنان: المافيا والميليشيا ورأس المال