إذا انطلقنا من الوقائع الميدانية الراهنة، فالمرحلة الحالية لا تشبه المراحل السابقة التي كانت تُعرَّف فيها وظيفة سلاح حزب الله بوصفها وظيفة مقاومة مباشرة للاحتلال الإسرائيلي. فالتفاهمات التي تلت الحرب الأخيرة أفرزت واقعًا جديدًا يقوم عمليًّا على ضبط الجبهة ومنع العودة إلى المواجهة الشاملة.
هنا 3 أسئلة عن “ما بعد هذه الحرب”…
بغضّ النظر عن التوصيفات السياسية، فإنّ أيّ عمل عسكري واسع ضدّ القوات الإسرائيلية الموجودة في المناطق التي ما زالت تحت الاحتلال قد يؤدي إلى إعادة إشعال الحرب. وهذا ما يطرح سؤالًا سياسيًّا مشروعًا: إذا كانت المواجهة العسكرية أصبحت مستبعدة أو ممنوعة بحكم التوازنات الجديدة، فما الدور الذي بقي لهذا السلاح؟ وهل انتقلت قضية استعادة الأراضي المحتلة من المجال العسكري إلى المجال التفاوضي؟
إذا صحّ هذا التقدير، فإنّ مستقبل المناطق المحتلة سيصبح مرتبطًا بمسار تفاوضي طويل ومعقّد بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، سواء جرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي هذه الحالة لا يعود السؤال: كيف تُحرَّر الأرض؟ بل يصبح: ما الشروط السياسية والأمنية التي قد تطلبها إسرائيل مقابل الانسحاب؟
ولا يمكن استبعاد سيناريو المماطلة الإسرائيلية الطويلة، بحيث يتحول الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم مع مرور الوقت، كما حدث في تجارب تاريخية عديدة. وإذا انتهى الأمر بخسارة لبنان جزءًا من أراضيه بصورة نهائية، فإنّ من الطبيعي أن تُطرح مسألة المسؤوليات السياسية والعسكرية، وأن يخضع كل من شارك في صناعة القرار للمحاسبة التاريخية والسياسية.
إيران بعد الحرب: 3 أسئلة
تبدو الصورة الإيرانية أكثر غموضًا وتعقيدًا من الصورة اللبنانية. فالمشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بحجم الخسائر العسكرية، بل بالسؤال الأعمق: من يمسك فعليًّا بمفاصل القرار داخل النظام الإيراني بعد الضربات التي استهدفت شخصياتٍ ومؤسسات تُعدّ من أكثر مراكز السلطة تشددًا؟
- سؤال السلطة داخل النظام:
يصعب حتى الآن الجزم بطبيعة التوازنات الجديدة داخل النظام الإيراني. فالكثير من المعلومات المتداولة بشأن مراكز القوة الفعلية ما يزال يدخل في إطار التسريبات والتقديرات أكثر مما يدخل في إطار الوقائع المؤكدة.
لكنّ الفرضية التي يطرحها بعض المراقبين تقوم على أنّ إضعاف التيار الأكثر تشددًا قد يكون قد سمح بصعود تيارات أكثر براغماتية أو أكثر استعدادًا للتفاهم مع الولايات المتحدة. وإذا ثبت ذلك، فإنّ الهدف لم يكن إسقاط النظام بقدر ما كان إعادة تشكيل توازناته الداخلية.
- لماذا لم تُسقِط الولايات المتحدة النظام الإيراني؟
من الملاحظ أنّ الولايات المتحدة، رغم حجم الضربات التي وُجّهت إلى إيران، لم تسعَ إلى تفكيك الدولة الإيرانية أو إسقاط النظام بصورة كاملة. وهذا يثير سؤالًا استراتيجيًّا بالغ الأهمية: لماذا الإبقاء على نظام ضعيف بدلًا من إنهائه؟
قد يكون أحد التفسيرات أنّ انهيار إيران الكامل كان سيؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة يصعب ضبطها، بما يشبه ما حدث في دول أخرى بعد إسقاط أنظمتها المركزية. من هذه الزاوية قد يكون الهدف هو إضعاف إيران وإعادة احتوائها لا تفكيكها.
في المقابل، يطرح البعض سؤالًا آخر يتعلق بدول الخليج العربية. فإذا كانت الولايات المتحدة قد تدخلت مرارًا لحماية إسرائيل بصورة مباشرة، فلماذا بدا موقفها أقل اندفاعًا تجاه حلفائها الخليجيين في بعض المحطات الحرجة؟
هنا تتعدد التفسيرات. فهناك من يرى أنّ واشنطن تسعى إلى تقليص أعبائها العسكرية المباشرة في المنطقة وإلى الاعتماد بصورة أكبر على شركاء إقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، لتأدية أدوار أمنية كانت تقوم بها الولايات المتحدة نفسها في السابق.
- هل انتهت الحرب فعلًا؟
يبقى الاحتمال الثالث، وربما الأكثر أهمية، أنّ ما نشهده ليس تسوية نهائية بل هدنة مؤقتة. فالتفاهمات التي تلي الحروب الكبرى لا تكون دائمًا مقدمة للسلام، بل قد تكون مجرد مرحلة لإعادة ترتيب الصفوف واستعادة الأنفاس.
إذا كان هذا التقدير صحيحًا، فإنّ الاتفاقات الحالية قد تكون إطارًا لإدارة الصراع لا لإنهائه. وعندها تصبح عودة المواجهة احتمالًا قائمًا، لا لأنّ الأطراف تريد الحرب بالضرورة، بل لأنّ الأسباب البنيوية التي أنتجت الصراع لم تُعالَج بصورة نهائية.
وعليه، قد يختلف اللبنانيون حول المسؤوليات، وقد يختلفون حول تفسير ما جرى، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: أنّ الناس دفعت أثمانًا هائلة.
لهذا فإنّ السؤال الحقيقي اليومَ ليس من انتصر ومن انهزم، بل كيف يمكن منع تحول الجنوب إلى قضية معلقة لعقود جديدة، وكيف يمكن إعادة الناس إلى قراهم وبيوتهم، وكيف يمكن بناء عقل سياسي جديد يضع الإنسان قبل الشعارات، والدولة قبل المحاور، والمصلحة الوطنية قبل الحروب المفتوحة.
فالأوطان لا تُقاس بقدرتها على خوض الحروب فقط، بل بقدرتها على معرفة اللحظة التي يجب أن تتوقف فيها الحروب.
إقرأ أيضاً: الدكتورة رولا تلحوق: حرّية لبنان من حرّية الشيعة