معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الحرب طويلة: “لا إستقرار مضبوط”.. لتغيير التوازنات الإقليمية

المساعدة البصرية: حجم الخط

تقوم حالة عدم الاستقرار بين إسرائيل وحزب الله على أكثر من مجرد مواجهة أمنية أو فشل في التوصل إلى تسوية سياسية، بل يمكن قراءتها ضمن منطق استراتيجي أوسع يقوم على إدار “اللااستقرار المضبوط” كأداة لإعادة إنتاج التوازنات الإقليمية.

 

 

بدلاً من الاتجاه نحو تسوية نهائية، يبدو الصراع بين لبنان وإسرائيل كأنه يُدار ضمن حدود دقيقة تمنع الانفجار الشامل من جهة، وتمنع في الوقت نفسه الوصول إلى استقرار كامل من جهة أخرى، بما يحافظ على حالة توازن هشّة قابلة للاحتواء لكنها غير قابلة للحسم.

إسرائيل لا تنظر إلى استقرار لبنان كخيار محايد، بل كاحتمال قد يحمل في طياته تحدياً استراتيجياً مستقبلياً. فلبنان المستقرّ اقتصادياً ومؤسساتياً قد يتحول إلى فضاء قادر على النهوض اقتصادياً ولوجستياً، مستفيداً من موقعه الجغرافي على المتوسط ومن إمكانياته في الربط التجاري والطاقة بين الشرق والغرب. ما قد يمنحه قدرة تدريجية على إعادة التموضع كمركز مؤثر في محيطه الإقليمي.

من هذا المنظور، يسهم استمرار حالة عدم الاستقرار في كبح هذا المسار، عبر إبطاء مسارات التنمية، وإضعاف تدفق الاستثمارات، وإبقاء البيئة السياسية والأمنية في حالة عدم يقين دائم، وهو ما يحدّ من تراكم القوة الاقتصادية على المدى البعيد.

إيران أيضاً شريكة

لا يقتصر هذا المنطق على الفاعل الإسرائيلي فقط، بل يتقاطع مع مصالح قوى إقليمية ودولية أخرى. فإيران، ضمن هذا التصوّر، تستفيد من إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراع غير المباشر، بما يبقيه جزءاً من شبكة نفوذها الإقليمي، وأداة لتبادل الرسائل مع القوى الدولية والإقليمية، عبر ما يمكن وصفه بـ”ساحات الوكالة” التي تُدار فيها المواجهات خارج الحدود المباشرة. وبما يسمح لها بتوسيع هامش تأثيرها في معادلات الإقليم.

في المقابل، يمكن قراءة المصلحة الأميركية من زاوية مختلفة، حيث يساهم استمرار حالة التوتر الإقليمي في تعزيز الحاجة الأمنية لدى دول الخليج، ما يرسّخ اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، ويعيد إنتاج منطق الحماية مقابل النفوذ، ويعزز استمرار العلاقة الأمنية–الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ودول الخليج.

الحزب أيضاً مستفيد.. والدولة متضرّرة

على المستوى الداخلي، يرى حزب الله في استمرار احتلال إسرائيل لأجزاء من الجنوب واستمرار التهديد والاحتكاك مع إسرائيل عنصراً مركزياً في تثبيت سردية “المقاومة”، بما يبرّر استمرار امتلاك السلاح خارج إطار الدولة، ويعزّز موقعه السياسي داخل النظام اللبناني. وبهذا، تتحوّل حالة التوتر نفسها إلى عنصر بنيوي في إعادة ديمومته ونموه سياسياً، وترسيخ حضوره كفاعل محوري في التوازنات الداخلية والإقليمية.

غير أن الطرف الأكثر تضرراً من منطق “اللااستقرار المضبوط” يبقى الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني عموماً، وسكان الجنوب خصوصاً. فبينما تتعامل القوى الإقليمية والدولية مع التوتر بوصفه جزءاً من حسابات الردع والنفوذ، يتحمل اللبنانيون الكلفة المباشرة لهذا الواقع من خلال الخسائر البشرية، والتهجير المتكرر، وتدمير البنى التحتية والممتلكات، وتعطيل النشاط الاقتصادي والاستثماري.

وقد شكّلت جولات التصعيد المتعاقبة عبئاً متراكماً على المجتمعات المحلية في الجنوب، التي وجدت نفسها مراراً في قلب المواجهة، تدفع أثماناً باهظة لا تنعكس بالضرورة مكاسب سياسية أو اقتصادية عليها.

من هذا المنظور، لا يبدو “اللااستقرار المضبوط” حالة متوازنة بالنسبة للبنانيين، بل واقعاً يستنزف قدرة الدولة على النهوض، ويؤخر فرص التنمية والاستقرار، ويجعل جزءاً كبيراً من المجتمع رهينة صراعات تتجاوز حدوده وحاجاته المباشرة.

وبهذا المعنى، لا تُفهم الحدود الجنوبية للبنان كساحة صراع عسكري تقليدي فقط، بل كفضاء تتداخل فيه الحسابات الاستراتيجية على مستويات متعددة، تمتد من الأمن إلى الاقتصاد والسياسة، حيث يصبح استمرار “اللااستقرار المضبوط” أداة لإدارة التفوق، ومنع تشكل مراكز قوة بديلة في المستقبل، وإعادة إنتاج التوازنات بما يخدم مصالح متشابكة، رغم اختلاف الروايات والدوافع المعلنة لكل طرف.

 

إقرأ أيضاً: محمد بركات يقترح خريطة طريق لبديل شيعي