صدم الإتفاق الأميركي – الإيراني حلفاء أميركا وخصوم إيران في لبنان. لأنّه منح إيران متنفّساً اقتصادياً عبر تخفيف بعض القيود على صادرات النفط والإفراج عن أموال مجمدة. لكنّ اختزال الصورة بهذه البنود يحجب السؤال الأكثر أهمية: ماذا خسرت طهران قبل أن تصل إلى هذه اللحظة؟ وهل “المراثي” التي ساقها محلّلون سياسيون في محلّها؟
لا يمكن قراءة الاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران من خلال بنوده التنفيذية وحدها، كما لو أنّ السنوات الماضية لم تكن سوى هامش يمكن تجاهله.
فالمشكلة في كثير من قراءات حلفاء أميركا والغرب، وخصوم إيران في لبنان، أنّها تتعامل مع المذكرة بوصفها نقطة البداية، بينما هي في الواقع محطّة أخيرة في مسار طويل من الحروب والاستنزاف والضربات والتحولات التي أعادت رسم المشهد الإقليمي بأكمله.
سيكولوجيا “هيروشيما”: الخصوم “مستلَبون”
المفارقة أنّ كثيراً ممن يسوّقون اليوم فكرة “الانتصار الإيراني” أو “التراجع الأميركي” لا ينطلقون من قراءة باردة للوقائع، بل من خيبة أمل ناتجة عن توقعات قصوى. أي من رفع سقف توقّعاتهم بهزيمة إيران واستسلامها.
من كان ينتظر مشهداً شبيهاً بـ”هيروشيما” سياسية وعسكرية تمحو النظام الإيراني ومحوره بالكامل وتجعله يركع، بالطبع سيُصاب بخيبة أمل. وحين لم يتحقّق هذا السيناريو المتخيل، اعتبر مجرد بقاء إيران دليلاً على انتصارها.
هنا يقع الخطأ التحليلي الأكبر. فالمحور الإيراني لطالما قدّم البقاء بحد ذاته بوصفه نصراً، بغض النظر عن حجم الخسائر البشرية والاقتصادية والعسكرية. والمفارقة أنّ بعض خصومه يعيدون اليوم إنتاج المعيار نفسه من حيث لا يشعرون، إذ يتحوّل عدم الانهيار الكامل إلى “إنجاز”، وتصبح النجاة من الضربة مساوية للانتصار فيها. لكنّ السياسة لا تُقاس بالأمنيات، بل بالحصيلة الفعلية على الأرض
أولاً: قطع الرأس وتفكك المنظومة
خلال سنوات قليلة، تعرّضت البنية القيادية للمحور الإيراني لضربات غير مسبوقة. فمن مقتل قاسم سليماني وعدد من القادة والعلماء المرتبطين بالبرنامجين العسكري والنووي، إلى مقتل علي خامنئي وحسن نصر الله وإسماعيل هنية ويحيى السنوار، تبدو إيران اليوم مختلفة جذرياً عن إيران التي دخلت العقد الحالي.
لم تقتصر الخسارة على الأشخاص، بل طالت منظومة الخبرة والقرار والرمزية التي قادت المشروع لعقود. ومع غياب هذه الشخصيات، برزت تصدّعات وصراعات داخلية وارتفعت كلفة إعادة إنتاج القيادة.
إقليمياً، جاء سقوط نظام بشار الأسد في سوريا ليشكّل ضربة استراتيجية لا تقل أهمية. فطهران خسرت الجسر الجغرافي واللوجستي الذي ربطها بلبنان والبحر المتوسط، وتبخّر جزء هائل من استثماراتها السياسية والعسكرية والمالية في الساحة السورية.
ثانياً: انقلاب معادلة الردع
قامت العقيدة الأمنية الإيرانية على مبدأ “الدفاع المتقدّم”، أي نقل خطوط المواجهة إلى خارج الحدود عبر شبكة من الحلفاء والأذرع المسلحة. لكنّ التطورات الأخيرة قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب.
فالمعركة باتت على أرض إيران في جولتين متتاليتين، وليست على أراضي الخصوم كما كانت تحضّر نفسها منذ 40 عاماً.
وحزب الله، الذي شكّل لعقود أبرز أدوات الردع الإيرانية، تعرض لخسائر كبيرة في قيادته وبنيته العسكرية وانكفأ خلف نهر الليطاني فاقداً جزءاً أساسياً من قدراته. كما واجهت حماس حرباً مدمرة أضعفت قدراتها العسكرية وسلطتها في غزة.
المسألة لا تتعلق ببقاء هذه القوى كأسماء وعناوين، بل بالفارق الهائل بين موقعها السابق وموقعها الحالي. فبدلاً من أن تكون خطوط حماية متقدمة لإيران، أصبحت هي نفسها بحاجة إلى الإنقاذ وإعادة الترميم
ثالثاً: الاقتصاد بين التنفس والإنقاذ
يركّز أنصار سردية “الإنجاز الإيراني” على الإعفاءات النفطية والتسهيلات الاقتصادية، لكنهم يتجاهلون السياق الذي جعلها ضرورية أصلاً. فالاقتصاد الإيراني يعاني من تضخم مرتفع، وتراجع في العملة، وأضرار لحقت بقطاعات حيوية، وهجرة متزايدة للكفاءات والعقول.
لذلك تبدو المكاسب الاقتصادية الواردة في الاتفاق أقرب إلى جرعة لمنع الموت، منها إلى منصة انطلاق استراتيجية. كما أنّ الاتفاق لا يعوّض الخسائر الهائلة التي لحقت بالبنية العسكرية أو بالبرنامج النووي الذي خضع لقيود وتنازلات ورقابة لم تكن مطروحة في مراحل سابقة.
رابعاً: أزمة السردية والشرعية
قد تكون الخسارة الأعمق تلك التي لا تظهر في الجداول والإحصاءات. فسنوات الحرب والدمار والتشرد في غزة والجنوب اللبناني والضاحية أضعفت بريق خطاب “الانتصار” ودفعت شرائح واسعة إلى طرح أسئلة صعبة حول الكلفة والنتائج.
ومع استمرار الأعباء الاقتصادية والاجتماعية وغياب التعويضات والإعمار الكافي، بات من الصعب تسويق الشعارات القديمة بالفاعلية نفسها. فالفجوة بين الخطاب والواقع اتسعت بصورة غير مسبوقة.
خامساً: بيئة إقليمية مختلفة
في الوقت نفسه، لم تعد البيئة الإقليمية والدولية كما كانت قبل سنوات. فقد عززت دول الخليج قدراتها الدفاعية وتحالفاتها، وأظهرت قدرةً على صدّ العدوان الإيراني. على قاعدة: إذا خفتً من أمرٍ… فقَع فيه”. بينما استمرّت عزلة إيران الغربية بدرجات متفاوتة.
كما أثبتت التجارب أنّ الصين وروسيا تتعاملان مع طهران وفق حسابات مصالحهما الخاصّة، لا باعتبارها أولوية تتقدّم على علاقاتهما الأوسع.
أما حياد الحوثيين في لحظات مفصلية، فقد عكس حجم التغير الذي أصاب تماسك المحور وقدرته على التحرّك كوحدة واحدة. وكذلك خروج العراق من المواجهة الأخيرة وحياد ميليشيات إيران (“السابقة”؟).
لماذا احتاجت إيران إلى الإتفاق؟
السؤال الحقيقي ليس ماذا حصلت عليه إيران في هذه المذكرة، بل ماذا خسرت قبل الوصول إليها. فحين توضع بنود الاتفاق في مواجهة سنوات من الاستنزاف، ومقتل أبرز الرموز، وسقوط دمشق، وتراجع قدرات الحلفاء، والأزمة الاقتصادية، والتصدعات الاجتماعية، يصبح من الصعب التعامل معه بوصفه انتصاراً استراتيجياً صافياً.
فالواقع يشير إلى أنّ الاتفاق لم يأتِ في ذروة الصعود، بل بعد سلسلة من التحولات والخسائر العميقة. لذلك فإنّ قراءة المذكرة بمعزل عن الطريق الذي قاد إليها تشبه الحُكم على نتيجة مباراة بالنظر إلى الدقيقة الأخيرة فقط، وتجاهل كل ما سبقها من أحداث قلبت موازين اللعب.
لهذا، وقبل الاحتفال بالاتفاق أو تسويقه كنصر تاريخي، يبقى السؤال الذي لا مفر منه: لو كانت الكلفة أقل من ذلك فعلاً، فلماذا احتاجت طهران إلى الاتفاق أصلاً؟ ولماذا وافقت على تسليم “النووي” كبندٍ أوّل؟
إقرأ أيضاً: ألبوماتُ طفولتنا التي ما زلتُ أبحثُ عنها