معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

حميميم وطرطوس: هل يطرد الشرع روسيا من “المتوسّط”؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

لنفهم الحاضر السوري علينا أن نصغي إلى الجغرافيا التي رسمتها المدافع الروسية منذ عام 2015، دفاعاً عن نظام بشار الأسد. وكي نقرأ مستقبل شرق المتوسّط، علينا أن ننتبه إلى قاعدتي “حميميم” و”طرطوس” الروسيتين.

هنا 3 سيناريوهات لكيفية تعامل الرئيس السوري أحمد الشرع مع الوجود الروسي الأخير على شاطئ البحر الأبيض المتوسّط…

 

 

ما بدأ مرفقَ صيانةٍ بحريّاً صغيراً في سبعينيات القرن الماضي، تحوّل بعد عقود إلى مفصل استراتيجي تتشابك عنده مصالح موسكو ودمشق وأنقرة وواشنطن وتل أبيب: “حميميم”.

واليوم، بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، يقف هذا التواجد عند مفترق طرق: إما إعادة هيكلة، أو انحسار، أو مساومة جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الإمبراطورية المتراجعة والدولة الناهضة من رماد الحرب.

النشأة… من الاعتراف إلى القاعدة

نشأ الارتباط الروسي – السوري في رحم الحرب الباردة. إذ اعترف الاتحاد السوفيتي بحكومة الاستقلال السورية عام 1944، وقدّم لاحقاً سلاحه وعقيدته الأمنية، فغدت دمشق حليفاً وثيقاً في شرق المتوسط. وفي عام 1971، حصل السوفييت على مرفق صيانة بحري في طرطوس، كان صغيراً ومتواضعاً، ويخدم أسطول البحر المتوسط دون أن يُشكّل تهديداً جيوسياسياً ملموساً.

لكن التحوّل الجذري جاء في 30 أيلول 2015، حين تدخلت روسيا عسكرياً لدعم نظام بشار الأسد، بطلب استنجاد من إيران.

وقّعت موسكو في 26 آب 2015 اتفاقاً مع “الجمهورية العربية السورية” لا مع شخص الأسد، يقضي بنشر مجموعة طيران في مطار حميميم بريف اللاذقية “لمدة غير محددة قابلة للتمديد”. وفي عام 2017، مُدّدت اتفاقية طرطوس لـ 49 عاماً مجاناً، وباتت قاعدة لوجستية لإصلاح سفن الأسطول. هكذا انتقلت روسيا من الحليف البعيد إلى الشريك الميداني، ومن الدعم بالوكالة إلى الوجود المباشر.

القانون والأعراف: شرعية الاتفاق لا شرعية النظام

تحكم الأعراف الدولية التواجد العسكري الأجنبي بمبدأين:

  • موافقة الدولة المضيفة.
  • وعقد ثنائي مكتوب.

وبما أن اتفاقيات عامي 2015 و2017 عُقدت مع “الجمهورية العربية السورية”، فقد وفّر ذلك لموسكو غطاءً قانونياً للتفاوض مع أي سلطة تأتي بعد الأسد. وهذا ما يميّز الحالة الروسية عن حالات مشابهة. فروسيا لم تراهن على شخصٍ، بل على الدولة السورية بمؤسساتها، حتى لو كانت في مرحلة الأسد.

سيادياً، نصّت الاتفاقيات على سيادة سوريا الكاملة، لكنها خضعت عملياً لإدارة وزارة الدفاع والقانون الروسي. وهنا مكمن الإشكال اليوم: شرعية العقد قائمة، لكن شرعية الذاكرة الشعبية مكسورة.

ما بعد الأسد: انحسار جغرافي وتمركز استراتيجي

مع انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، انسحبت روسيا بسرعة من نقاطها المنتشرة كافة عبر المحافظات، ومن مطار القامشلي شمالي شرقي سوريا مطلع عام 2026، ولم يبقَ لها إلا قاعدتان: حميميم الجوية وطرطوس البحرية.

لكن هذا الانحسار لم يكن تراجعاً كاملاً. فقاعدة حميميم، التي انطلقت منها الطائرات لتقصف أهالي حلب والغوطة، باتت اليوم منصة لعمليات “الفيلق الأفريقي الروسي” (خليفة “فاغنر”) في ليبيا والساحل. وطرطوس بقيت المنفذ الوحيد لروسيا على المياه الدافئة، ومرفق الإصلاح الوحيد لأسطولها في المتوسط.

المواقف: لغة المصالح تحت عباءة السياسة

دمشق الجديدة: في أول اتصال بين الرئيس أحمد الشرع وبوتين، أكد الشرع على “الروابط الاستراتيجية القوية” واستعداد سوريا لتعزيز التعاون. لكنّ وزير الدفاع مرهف أبو قصر صاغها صراحة: “نسمح بالوجود الروسي إذا حقّقنا منافع”. والمنافع، بحسب ما نُقل عن أول لقاء بين الشرع ومبعوث بوتين، ثلاثة:

– تعويضات حرب بمليارات الدولارات.

– ومساهمة في إعادة إعمار تُقدّر تكلفتها بـ 400 مليار.

وإلغاء ديون تبلغ 20-23 ملياراً.

روسيا رفضت ذلك، وعرضت تقديم مساعدات إنسانية فقط.

موسكو: أعلنت الخارجية الروسية أنّ التعاون “يتطور بنشاط كبير”، وأنّ مسألة “إعادة هيكلة وظائف المنشآت العسكرية” مطروحة على الطاولة. ويكرّر بوتين دعمه لوحدة سوريا وسيادتها، بينما ترى وزارة الدفاع القاعدتين “جزءاً لا يتجزأ من الوجود العسكري العالمي لروسيا”.

أنقرة وواشنطن وتل أبيب: تبدي تركيا قلقها من الأوضاع في إدلب وطالبت روسيا بكبح الهجمات. أما أميركا فتراقب عبر الأقمار الاصطناعية وتسجل وصول سفن روسية خاضعة للعقوبات إلى طرطوس. في حين تلتزم إسرائيل الصمت، غير أنّ غاراتها على المواقع الإيرانية باتت أكثر تعقيداً بوجود الرادارات الروسية.

ما هي قراءة مراكز الأبحاث؟

يرى معهد (RUSI) اللندني أنّ “فقدان طرطوس يعيد روسيا إلى وضع عام 1991 استراتيجياً. ليس كارثة، لكنه تراجع ملموس”.

أما مركز “جسور للدراسات” فيذهب أبعد من ذلك: الإدارة الجديدة في دمشق تنظر إلى الوجود الروسي كـ “عامل تثبيت يوازن النفوذ الأمريكي والإسرائيلي والتركي.؛ فالعدو المشترك أحياناً يصنع حليفاً مؤقتاً.

في المقابل، يبرّر “المعهد الروسي للشؤون الدولية” انسحاب القامشلي بأنّ روسيا فقدت دور الوسيط مع الأكراد، وتزايدت الضغوط عليها، فكان الانكفاء إلى الساحل خياراً منطقياً.

المستجدات والعوائق: مفاوضات “الهيكلة

تدور مستجدّات عام 2026 حول كلمة واحدة: “إعادة الهيكلة” أو (Reformatting). روسيا تطرح تحويل طرطوس إلى مركز لوجستي لتوزيع الواردات الروسية داخل سوريا، بينما تريد دمشق مكاسب مالية وسيادة أكبر، في حين تطالب موسكو بضمانات أمنية وغطاء قانوني جديد.

وتتمثل العوائق في ثلاثة ملفات:

1- مالي: دمشق تطلب ما لا تملكه موسكو المثقلة بحرب أوكرانيا.

2- سياسي: ذاكرة السوريين عن الدور الروسي في تدمير المدن تعقّد أي تفاهم شعبي.

3- أمني: إذ تُهدد الهجمات المنطلقة من إدلب سلامة القاعدتين.

الاستشراف… ثلاثة سيناريوهات للغد

السيناريو الأول: البقاء المشروط (احتمالية 60%) تبقى قاعدتا حميميم وطرطوس. لكن بوظائف “مدنية-أمنية” أكثر وعسكرية أقلّ. بحيث تحصل دمشق على دعم اقتصادي محدود، وتحتفظ موسكو بمنفذها المتوسطي. وهذا هو مسار المفاوضات الجاري حالياً.

السيناريو الثاني: الانسحاب التدريجي (احتمالية 30%) إذا تعثّرت المساومة المالية، أو نجح الضغط التركي – الأميركي، قد تسحب روسيا قواتها تدريجياً. الخسارة هنا ستكون كبيرة: عودة إلى ما قبل عام 1971، وفقدان قاعدة العمليات الأفريقية، لكنّ استمرار الحرب في أوكرانيا قد يجعل البقاء خياراً مكلفاً.

السيناريو الثالث: التجميد والتصعيد (احتمالية 10%) وقوع هجوم كبير على القاعدتين يدفع موسكو لتعزيز عسكري مؤقت، ثم العودة للتفاوض من موقع قوّة، غير أنّه سيناريو استنزافي لا تريده روسيا اليوم.

حين يصبح الوجود مسألة حساب

لم يعد التواجد الروسي في سوريا مسألة ولاء أيديولوجي، بل بات مسألة حسابات:

حسابات موسكو: كيف تحافظ على آخر موطئ قدم لها خارج حدودها السابقة بأقل كلفة ممكنة.

وحسابات دمشق: كيف تحوّل إرث الأسد إلى ورقة مساومة تجلب بها إعادة الإعمار والشرعية.

وتبقى طرطوس وحميميم شاهدتين على تحوّلات كبرى: من الحرب الباردة إلى حرب أوكرانيا، ومن دعم الديكتاتور إلى مساومة الثائر. وبينهما، تظلّ سوريا ساحة مفتوحة، والمتوسط بحيرة تنعكس عليها صراعات الكبار.

“التاريخ لا يرحم من يقرأه بلا سياق”. وسياق التواجد الروسي يقول إن لا شيء دائم إلا المصالح… حين تُحسن التفاوض عليها.

 

إقرأ أيضاً: 5 هزائم إيرانية تاريخية في الاتفاق مع واشنطن