حين يعجز المشروع عن الإنجاز، يلجأ أصحابه إلى تشويه من ينجح. وابراهيم الأمين وجريدة الحرس الثوري الإيراني، “الأخبار”، بدل الاعتذار على الكذب في آذان شيعة لبنان، تحاول إلصاق تهمة تدمير لبنان التي ارتكبتها إيران بالسعودية التي تحاول إنقاذنا.
خرج حزب الله من حرب 2024 بخسائر لم يشهد لها مثيلاً في تاريخه: قيادات اغتيلت، وبنية تحتية دُمِّرت، وردع تآكل أمام أعين من صدّقوا أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”. لكن الأشد وطأةً من الخسارة العسكرية هو ما تلاها: لبنان لم ينهَر كما كان مُخطَّطاً، ولم تسقط الدولة في الفراغ المُريح الذي يُتيح إعادة توزيع النفوذ من جديد.
قلمٌ في خدمة جرح مفتوح
يصعب على القارئ أن يفصل بين ما كتبه إبراهيم الأمين في جريدة “الأخبار” اليوم من هجوم على المملكة العربية السعودية وعلى دورها وموفدها الأمير يزيد بن فرحان، وبين أيّ بيان صادر عن حزب الله. ليس لأن الرجل يفتقر إلى الموهبة — فهو يكتب بطلاقة لا يُنكرها أحد — بل لأنه اختار منذ أمد بعيد أن يضع قلمه في خدمة مشروع سياسي بعينه، ثم يطالبنا بأن نقرأه صحافةً. مقاله الأخير ليس تحليلاً، بل وثيقة ألم من يرى المشهد يتحوّل ولا يملك أدوات إيقافه.
إيران التي بنت مشروعها على أنقاض لبنان
قبل أن يتحدث الأمين عن “الوصاية السعودية”، يليق به أن يُحاسب الوصاية التي جعلت لبنان ساحةً لحروب لم يختَرها. إيران التي أمسكت بقرار حزب الله جرّت لبنان إلى مواجهات كانت فاتورتها دائماً لبنانية: دماءً وهجرةً وانهياراً اقتصادياً. ولا أحد يسأل: من موّل الحرب؟ ومن جنى ثمارها؟ ومن دفع ثمنها؟
الناطق الرسمي الذي يدّعي الاستقلالية
أما استعراض المعلومات عن يزيد بن فرحان — علاقاته واجتماعاته وما يقوله في مجالسه الخاصة — فهو إما تسريب مقصود من جهة معلومة، وإما ادّعاء بالمعرفة لتعظيم أهمية الكاتب. وفي الحالتين نحن أمام نص وظيفي لا نص صحفي. الفرق كبير بين صحفي يُسائل ويزن الأدلة، وبين مُلقَّن يُفرغ ما يُملى عليه في جمل أنيقة.
السعودية التي تبني حيث أحرق المشروع الإيراني
يزيد بن فرحان “طوباوي مقدس” في قاموس الأمين، لأنه يعمل بأدوات لا يفهمها من اعتاش على منطق القوة الخشنة: دبلوماسية هادئة، ودعم اقتصادي، وانفتاح على مؤسسات الدولة. السعودية التي يصفها الأمين بـ”مصدر الخطر” هي ذاتها التي تعمل على فتح أسواقها للمنتجات اللبنانية، وتُسهم في ترسيم معادلة تُخرج لبنان من دوامة الحروب بالوكالة.
الجنوب الذي يستحق أكثر من شعارات
تحرير الجنوب الحقيقي لا يعني إبقاءه رهينةً لمعادلة سلاح تجعله هدفاً دائماً. يعني أن يعود أبناؤه إلى بيوتهم، وأن تمتد سلطة الدولة إلى كل شبر من أرضه، وأن يُعاد بناء ما هدّمته الحرب. وهذا بالضبط ما تسعى إليه المقاربة الجديدة التي يستهزئ بها الأمين، لأنها تُنجز على أرض الواقع ما عجز مشروعه عن تحقيقه في أربعة عقود.
يساريٌّ يسخر من المزارعين
الاستهزاء بصناديق الكرز والدراق يكشف المفارقة الكبرى في شخصية الأمين. فالرجل الذي يتقدّم بوصفه يسارياً مدافعاً عن المستضعفين، يجد نفسه في موقع من يسخر من فرحة فلاح جنوبي باع موسمه وعاد بثمن. واليسار في كل تعريفاته هو الموقف الأول في الدفاع عن المزارع والعامل والكادح، لا في الاستهزاء بهم حين تتعارض فرحتهم مع أجندة المحور.
حكومة سلام: الكابوس الذي لا يرحل
حكومة نواف سلام لا تزال قائمة رغم كل الضغوط، والمؤسسات الدستورية تعمل، والدولة تستعيد حضورها تدريجياً في مناطق ظلّت عقوداً خارج سلطتها. وهذا بالضبط ما يُربك منظومة اعتاشت طويلاً على منطق القوة الخشنة وثقافة “توازن الرعب”: دور خارجي يعمل بأدوات ناعمة لا بصواريخ ولا بتهديدات، بل بعلاقات وضغوط ودعم اقتصادي وانتخابي.
من يُدمّر لبنان فعلاً؟
السؤال الذي يتهرّب منه مقال الأمين بكل هذا الاستعراض المعلوماتي هو الأبسط والأوجع: من أحرق الجنوب مرات ومرات؟ من أفقر الدولة وجفّف مؤسساتها؟ من جعل لبنان ورقةً في ملف النووي الإيراني؟ ما يقوله المقال في جوهره بسيط: نحن خسرنا الحرب ونخسر السياسة ونخسر الشارع. والكرز الذي سخر منه الأمين يبقى أشرف بكثير مما أنتجه المشروع الذي يدافع عنه: خرابٌ ممنهج، وشهداء بالآلاف، ووطن ينزف منذ عقود.
إقرأ أيضاً: بدء التصدير إلى السعودية: 2 مليار$ سنوياً