معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

برّي يحاصر الفتنة ويبتعد عن الحزب: إزالة الركام السياسي… والإعمار

المساعدة البصرية: حجم الخط

في الليلة التي اختار فيها حزب الله أن يستعرض شوارع بيروت اعتراضاً باتفاق السلام مع إسرائيل، كان غياب حركة أمل لافتاً بقدر ما كان مقصوداً. لم تُشارك الحركة في تلك المسيرات، ولم تُرسل جمهورها إلى الميادين، وهو موقف يختصر الكثير في لحظة بالغة الحساسية.

 

صمت أمل… رسالة واضحة

حركة أمل ليست حزباً يتحرك بالعاطفة، بل بالحسابات. وحين قررت ألا تنزل إلى الشارع في تلك الليلة، فإنها أرسلت رسالة مزدوجة: الأولى إلى حزب الله بأنّه زمن الدولة، والثانية إلى اللبنانيين بأنّ ثمة فارقاً بين الشراكة السياسية والذوبان في الآخر. هذا ليس تمايزاً شكلياً، بل هو تحديد موقع في مشهد ما بعد الاتفاق، حيث تتشكل خرائط النفوذ وتُعاد رسم حدود الأدوار.

جابر يُبادر: من الركام إلى الإعمار

في السياق ذاته، لم يكن توجه وزير المالية ياسين جابر إلى الجنوب مجرد جولة تفقدية روتينية. كان نقلاً استراتيجياً للنقاش من ساحة الاحتفال إلى ساحة الاستحقاق. بينما كانت الكاميرات تُوثّق مشاهد الاعتراض في شوارع الضاحية، كان جابر يقف أمام بلدية صور متحدثاً عن إزالة الركام وإعادة تشغيل الكهرباء والمياه والاتصالات، وعن بدلات الإيواء وعودة النازحين. في إشارة إلى أنّ العمل السياس لا يُصنع في الميادين، بل في مواجهة الواقع المُثقل بالدمار والخسائر.

وكان جابر واضحاً وشجاعاً في آنٍ معاً حين قال: “لا تقول فول ليصير بالمكيول”، مُعترفاً بأن الوعود الدولية بالتمويل ما زالت في إطارها الكلامي، وأنّ الدولة لا تملك وحدها القدرة على تأمين التمويل الكامل لإعادة الإعمار. هذا الصدق، ولو كان مرّاً، أجدى من ألف خطاب أوهام.

بري يُشهر سلاح الحكمة

أما الرسالة الأبلغ فقد جاءت من رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي استشعر ما تختزنه هذه اللحظة من فتيل قابل للاشتعال. فخرج مُحذّراً بعبارة جامعة: “يا أهلي في لبنان كل لبنان، إنها الفتنة”، مستعيراً صورة “ابن اللبون” الذي لا ظهر يُركب ولا ضرع يُحلب. وهي دعوةً إلى الحياد الواعي في زمن الفتن. بري الذي يعرف أكثر من غيره كيف تبدأ النيران اللبنانية من شرارة احتفال، أراد أن يُطفئ قبل أن تشتعل.

الشيعة ليسوا ضدّ السلام

ما جرى ليلة أمس ليس مجرد غياب أو مبادرة أو تصريح. إنه إدارة مرحلة دقيقة بأدوات مختلفة: صمت أمل يرسم خطاً، وجابر يحوّل البوصلة نحو الجنوب الجريح، وبري يحاصر الفتنة بكلمات أقدم من السياسة نفسها. ثلاثة مشاهد تقول معاً: إن لبنان لن يخرج مما هو فيه بالفتنة، بل بالعمل وبالحكمة وبإزالة الركام، السياسي قبل الحجارة.

 

إقرأ أيضاً: عقوبات فرنجية: بعد العسكر والمال.. أميركا ترسم حدود السياسة