لا يحبّ أحدهما الآخر، وكلاهما يعرف ذلك. لكنّ الشرق الأوسط الجديد لا يسأل عن الأحقاد، بل عن الحسابات. فهل يجلس الشرع وحزب الله إلى طاولة واحدة، لا لأنّهما يريدان، بل لأنّ المنطقة لم تترك لهما خياراً آخر؟ خصوصاً أنّ مصادر الطرفين تؤكّد: “سوريا مرّرت سلاحاً للحزب خلال الأشهر الأخيرة”.
بينهما دمٌ وحرب وسنوات من الاحتقان. ومع ذلك، يبدو أنّ الشرق الأوسط الجديد يُكره الأعداء على الجلوس في الغرفة نفسها. الرئيس السوري أحمد الشرع أعلنها: هو مستعدّ للحوار مع حزب الله. والحزب، من جهته، لا يرفض. فهل هذا تحوّل حقيقي، أم أنّ لكلٍّ منهما حساباته التي لا علاقة لها بالودّ؟
الشرع قال ردّاً على هذه التساؤلات، وبصريح العبارة: “مستعدّ، إذا دُعيت إلى طاولة حوار، أن أجلس مع حزب الله من أجل استقرار لبنان”. ووجّه في الوقت نفسه رسائل تطمين إلى الشيعة في لبنان، مؤكّداً ضرورة الفصل بينهم وبين حزب الله، “فلا الحزب هم الشيعة، ولا الشيعة هم الحزب”، في رسالة مهمّة في سياق العلاقات المقبلة بين لبنان وسوريا. وأضاف: “إذا تعافى لبنان تتعافى سوريا، والعكس صحيح”.
مقاومة مشتركة ضدّ إسرائيل؟
م تقتصر الإشارات الإيجابية على كلام الشرع، إذ توالت رسائل الانفتاح السياسي بين الطرفين، كان آخرها وصف النائب في كتلة الوفاء للمقاومة نواف الموسوي للشرع بـ”الأخ”، إلى جانب تصريح النائب في الكتلة نفسها، إيهاب حمادة: “إذا بيعملوا مقاومة سورية منكون معها”. إلى ذلك عاد إلى الواجهة الحديث عن تمرير أسلحة من سوريا إلى حزب الله قبيل اندلاع حربه الثانية مع إسرائيل.
فما مدى إمكانية حصول هذا الحوار؟ وهل هو طرح جدّي أم مجرّد طرح إعلامي ورسالة سياسية؟ وكيف يمكن أن يؤثّر التقارب التركي ـ الإيراني في فرص ولادة مثل هذا الحوار؟
عبد الرحمن: الشرع أكثر من يكره حزب الله
يرى مؤسّس ومدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، رامي عبد الرحمن، في حديث لموقع “الدولة” أنّ الحوار بين أحمد الشرع وحزب الله قد يحصل في أيّ لحظة إذا توفّرت إرادة تركية وإيرانية حقيقية لدفعه. لكنّه يتساءل عمّا إذا كان الطرح جدّياً أم مجرّد رسالة إعلامية هدفها طمأنة الشيعة في لبنان إلى أنّ الشرع لا ينوي خوض مواجهة معهم. ويؤكّد عبد الرحمن أنّه لا يرى في الأمر طرحاً جدّياً، وأنه أقرب إلى رسالة إعلامية “فأكثر من يكره حزب الله هو الشرع”.
خالد العزّي: حوار غير ممكن
من جهته يرى أستاذ العلاقات الدولية والسياسات الخارجية الدكتور خالد العزي أنّ هذا الحوار غير ممكن أيضاً في الظروف الحالية، معتبراً أنّه “لا حوار مع حزب الله طالما أنّ إيران لا تزال تمارس سياسات عدم الاستقرار في سوريا، وتدعم الانفصاليين، فيما يواصل حزب الله تقديم نفسه حامياً لضباط النظام السابق ومهرّبيه”.
ويضيف أنّ أيّ حوار “قد يبدأ باعتذار يقدّمه حزب الله إلى الشعب السوري عمّا اقترفه خلال أربعة عشر عاماً، ليكون ذلك مدخلاً إلى أيّ نقاش”ز
ويعتبر العزي أنّ أبواب الحوار يفتحها الشرع حصراً مع الدولة اللبنانية، موضحاً أنّه “إذا كان حزب الله موجوداً على الطاولة، فسيكون جزءاً من الدولة، عبر وزرائه أو كتلته النيابية أو قياداته الأمنية، لا بوصفه حزباً مستقلاً”. لكنه يتساءل في المقابل: “من قال إنّ الشرع يستطيع أن يجمع اللبنانيين حول طاولة واحدة؟”.
سلاح من سوريا إلى الحزب
لكنّ العزّي يؤكّد في حديثه لـ”الدولة” رواية “تمرير السلاح إلى حزب الله عبر مهرّبين ومجموعات داخل الدولة السورية”. من خلال اطّلاعه على الملفّ، يكشف أنّ هذه المستودعات “كانت تشكّل خطراً على سوريا، لأنّها قد تكون هدفاً لأيّ ضربات إسرائيلية”. ويشير إلى أنّ “الدولة السورية غضّت النظر عن الأمر، لأنّ إزالة هذه المستودعات كانت تصبّ في مصلحتها وتجنّبها أزمة إضافية”، لافتاً إلى أنّ “بعض المجموعات قد تكون مدفوعة باعتبارات مالية أو عقائدية مرتبطة بمواجهة إسرائيل”.
ويضع العزّي تصريحات الشرع الأخيرة في إطار حسابات جيوسياسية، لا في سياق مهادنة حزب الله أو بناء تحالف معه، موضحاً أنّ الشرع يدرك أنّ سقوط إيران سيعني، برأيه، وقوع المنطقة بالكامل في يد إسرائيل، وهو ما أعلنه صراحة، فضلاً عن أنّ ذلك قد يفتح الباب أمام مزيد من التوسّع الإسرائيلي وخسارة الجنوب السوري.
الحزب: التفاهم عبر البوابة العراقية
أما لحزب الله روايته المختلفة حول هذا الحوار. إذ يضع مصدر مسؤول في حزب الله مواقف الشرع الأخيرة في إطار إدراكه أنّ لا إمكانية للدخول في صراع مع الحزب، ولا مصلحة له في فتح مواجهة جديدة، لأنّه يسعى إلى تثبيت موقعه في الداخل السوري، حيث لا تزال فصائل عديدة تنافسه ولا تخضع لسلطته. ويضيف أنّ المشهد الإقليمي، بعد الحرب الأخيرة، أثبت أنّ إيران لا تزال لاعباً قوياً في المنطقة.
ويستعيد المصدر حادثة إطلاق مجموعة عراقية رشقة صاروخية باتجاه الحسكة، معتبراً أنّها كانت رسالة إلى الشرع، قبل أن يكشف تفاصيل لقاء جمع، قبل نحو سبعة أشهر، رئيس المخابرات العراقية بالرئيس السوري.
مخابرات العراق على خطّ الصلح؟
بحسب رواية المصدر في حزب الله لموقع “الدّولة”، قال المسؤول العراقي للشّرع: “ملفّك بالكامل لدينا منذ اللحظة التي أخرجك فيها الأميركيون والبريطانيون من سجن أبو غريب”، موجّهاً إليه تهديداً مباشراً، قبل أن يدعوه إلى التفاهم حول ملفّي الشيعة والعلويين.
ويضيف أنّ الشرع رفض في البداية التفاوض بشأن العلويين، سائلاً: “أنتم شو لكم علاقة فيهم؟”، لكنّ النقاش انتهى إلى تفاهم يقضي بمهادنة الشيعة وإعادة فتح المقامات الدينية، وهو ما تبعه عودة عدد من السوريين الشيعة إلى قراهم والإعلان رسمياً عن فتح المقامات.
قمح عراقي لسوريا “لعيون الشيعة“
ويتابع المصدر في حديث خاصّ لـ”الدولة” أنّ الاتفاق تضمّن أيضاً التزام الجانب العراقي بدفع رواتب عناصر الأمن العام السوري، إضافة إلى تزويد سوريا بالقمح، مشيراً إلى أنّ المسؤول العراقي كان واضحاً في تحذيره من أنّ أيّ تحرّك على الحدود اللبنانية السورية سيقابله تحرّك عراقي على الحدود السورية العراقية.
ويؤكّد أنّ الأمور سارت في هذا الاتجاه، وأنّ العلاقة مع الشرع تمرّ عبر البوابة العراقية، مضيفاً: “التفاهم مع الشرع ثمكن أن يحصل، وليس لدينا مشكلة في ذلك، لأنّ توسيع دائرة الحروب ليس في مصلحتنا أيضاً. هذا الخيار قائم، وقد يحمل إيجابيات، وجماعتنا ليس لديهم مشكلة معه. وعندما دخلنا إلى سوريا، كان ذلك لحماية مناطقنا من الفصائل المتطرّفة التي تسبّبت لنا بمشكلات عديدة في البقاع، وأرسلت إلينا سيارات مفخخة في الضاحية”.
ويشير إلى أن الطرفين يبحثان عن مصلحتهما، لكنّ الجميع اليوم ينتظر اتّضاح خريطة الشرق الأوسط الجديد، وما الذي سيحدث بعد انتهاء مهلة الستين يوماً “إمّا تفاهمات تريح المنطقة، وإمّا حرب طاحنة”.
ولا ينكر المصدر ما أُثير عن تمرير السلاح إلى حزب الله عبر سوريا، مؤكّداً أنّ “الأمر حصل، بصرف النظر عن أسبابه، وأنّ السلطات السورية غضّت النظر عنه”.
ليس تقارباً بل تلاقٍ
بالعودة إلى التقارب التركي الإيراني، يوضح الدكتور خالد العزّي أنّه لا يمكن الحديث عن تقارب بالمعنى السياسي، بل عن تلاقٍ بين مجموعة من الدول حول خطورة تسليم المنطقة لإسرائيل، وتحديداً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لا يقيم اعتباراً لأيّ طرف، حتى الولايات المتحدة.
ويضيف أنّ الأتراك غير معنيين بانهيار النظام الإيراني، لأنّهم يخشون موجات نزوح هائلة قد تصل إلى ثلاثين مليون لاجئ يملأون دول الجوار. كما أنّ انهيار النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام قيام دويلات متناحرة وحروب قومية بين أعراق مختلفة ومتطرّفة.
أردوغان مرّر المال للحزب أيضاً
ويشير العزي إلى أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرّر أموالاً لحزب الله، في الحرب، معتبراً أنّ أيّ خلل في سوريا يشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي، لأنّ وصول إسرائيل إلى بيروت يعني اقترابها أكثر من ضواحي دمشق. لذلك، نشهد تلاقياً في المواقف بين تركيا وباكستان ومصر والسعودية، ضمن التحالف الرباعي الجديد. إضافة إلى تقاطع أوسع بين عدد من الدول حول ضرورة حماية المصالح الاقتصادية والحفاظ على انسيابية الملاحة في مضيق هرمز. ويشدّد على أنّ هذا التلاقي لا يهدف إلى إعادة إيران لاعباً مهيمناً على المنطقة، بل إلى حماية الأمن القومي الإقليمي، مقابل مطالبة إيران بأن تتصرّف كدولة، لا كميليشيات وزعزعة استقرار الدول. ويختم قائلاً: “هل سينتصر جناح الدولة داخل إيران على جناح الحرس الثوري؟ هذا ما ستكشفه الأيام الستون المقبلة”.
تبقى كلّ هذه السيناريوهات معلّقة بانتظار ما ستؤول إليه مهلة الستّين يوماً، التي قد ترسم ملامح شرق أوسط جديد، وتحدّد ما إذا كانت المنطقة تتّجه نحو تفاهمات تفتح باب الحوار، أم نحو جولة جديدة من المواجهات.
إقرأ أيضاً: بين واشنطن وبيروت: هنا سقط خطاب الشيخ نعيم