معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

هل يدفع الحزب الدولة نحو توقيع اتفاق أسوأ؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

بين رواية الانتصار التي يروّجها حزب الله وواقع الهزيمة الذي عاشه لبنان، تبقى الدولة وحدها من يدفع الثمن. فهل يدفعها الحزب اليوم نحو اتفاق أسوأ؟

 

لا يمكن لحزب الله اليوم إنكار مسؤوليته عن الحال التي وصل إليها لبنان، والتنازلات التي يتّهم رئيسَي الجمهورية والحكومة بتقديمها، ويُعفي رئيس مجلس النواب من أي دور فيها. بل أكثر من ذلك، لا يمكن للحزب الموالي لإيران الاستمرار في محاولة “تضييع الشنكَش” عبر اتهام الآخرين وتخوينهم، وتصعيب مهمة الدولة اللبنانية لدفعها نحو اتفاق أسوأ.

ما وصلنا إليه اليوم، واضطرار السلطة إلى تجاوز مشاعر بعض اللبنانيين، رغم حرصها المبالَغ فيه على مُداراتها سابقًا، ليس فعلًا منفصلًا عن سياق كامل يحاول الحزب اليوم القفز فوقه. وهو نفسه يدرك ذلك، وإلا فليشرح لجمهوره مبرر بقائه في حكومة نواف سلام.

الدولة منعت الانتصار؟

يروِّج حزب الله روايات من نسج الخيال ومن نهج المكابرة، تزعم أنه كان يحقق إنجازات عظيمة في الميدان ويؤلم الإسرائيليين، فجأة جاءت الدولة لتقمع إنجازاته وتوقّع اتفاقًا مع إسرائيل. أو أن الجيش الإسرائيلي كان يشدّ أمتعته تمهيدًا للخروج من القرى المحتلة وتقديم هدية مجانية لحزب الله، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يستعد لإعلان الانتحار السياسي، وجاءت السلطة اللبنانية لتقنعه بالبقاء في الجنوب!

والحقيقة التي يعلمها حزب الله أن الدولة اختارت خوض المفاوضات المباشرة بموافقة رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي طمأن إلى أن الحزب لن يدخل الحرب إلى جانب إيران، لكن حزب الله سرعان ما خالف ذلك وأقحم لبنان في المأساة في الثاني من آذار 2026. اختارت الدولة التفاوض بعدما صار لبنان ساحة يديرها الحرس الثوري الإيراني وفق حساباته، وبعدما شُنّت على بيروت مئة غارة خلال عشر دقائق، فيما سُمّي بـ”الأربعاء الأسود”.

خيار الدولة الذي أنقذ بيروت

لم يكن أمام السلطة الشرعية سوى أن تتنصّل من أفعال حزب الله لإخراج بيروت من دائرة النيران الإسرائيلية، وحصر المعارك حيث يقاتل الحزب، وعدم تحويل الحرب بين إسرائيل وحزب الله إلى حرب رسمية بين إسرائيل ولبنان، بما يعنيه ذلك من دمار، بحيث لا تبقى مناطق آمنة. وهو ما يبدو أن حزب الله لا يمانع حصوله، وكأن من مصلحته أن تُنهَك المؤسسات الرسمية بالضربات الإسرائيلية.

دخل لبنان المفاوضات ضعيفًا مهزومًا، مع مئات الآلاف من المهجَّرين، وأراضٍ مقضومة، واحتلال يتوسع مع الوقت، تُغذّي تمدده سياسات حزب الله.

وفي ظل هذا الواقع، صارت أولوية السلطة حصرَ الحرب التي لم تستطع وقفها، كونها ليست صاحبة قرار إطلاق الصواريخ، وكونها كانت أعجز من تطبيق ما تعهّدت به لإنهاء حرب 2024.

هو سياق يحاول حزب الله حذفه من ذاكرة الناس، والتزوير بالادّعاء بأن المسيّرات، التي شكّلت بالفعل تحديًا لإسرائيل، أبلت حسنًا وغيّرت المعادلات على الأرض.

الكرة في ملعب حزب الله

غير أن الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي رمى الكرة في ملعب حزب الله، رهانًا على أن الانسحاب الإسرائيلي مرتبط بالتزامه بتعهّده نزع سلاحه الذي أوقف حرب 2024. لكن إصرار الحزب على عدم “التشبث بالجغرافيا” مقابل التمسك بالسلاح ينذر بأنه سيرتضي تسليم الأرض ويختار عدم تسليم سلاحه. وهنا يظهر أن التنظيم الذي يشرف عليه الحرس الثوري بات يؤدي دورًا وظيفيًا يخدم إسرائيل ويساعدها على البقاء في الأراضي اللبنانية. يضاف إلى ذلك دوره في التهديد بفتنة وتمهيد الأرضية لهذا الخيار، بحيث يصبح متاحًا في حال رغبت إسرائيل باللجوء إليه.

الحزب لا يكترث بسلامة الشيعة

قبل إطلاق الصواريخ الستة ثأرًا لمرشده الراحل علي خامنئي، كان حزب الله يجاهر بمخالفة اتفاق عام 2024 لوقف إطلاق النار، وتحدث إعلاميوه عن نقل السلاح في جنوب الليطاني. كانت مجموعة من المعارضين لنهج حزب الله تحذّر من أن عدم التزامه بنزع سلاحه، والتلويح بفتح حرب جديدة، يُعيق فرصة الحكومة لإنجاز اتفاق يحمي حقوق لبنان ويعيد أهالي القرى الحدودية إلى ديارهم.

يومها انتقد الحزب معارضي نهجه، وهاجم وخوَّن، وأكّد إصراره على التمسك بالسلاح بحجة حماية الأرض، وعاد وادّعى أنه نقطة قوة. وجاءت حرب إسناد الحرس الثوري الإيراني لتثبت صحة التحذيرات، ولتثبت مجددًا أن حزب الله لا يكترث بسلامة المجتمع الذي يدّعي الدفاع عنه، بل ينظر إلى أهله على أنهم “أضرار جانبية”.

لقد أثبت حزب الله أنه لا يعتبر تحرير الأرض غاية، وإنما ذريعة. وإن كان غضبه من الاتفاق اليوم صادقًا، وينطلق من الحرص على عدم تنازل الدولة، فذلك يستدعي منه الاعتراف بالأخطاء والهزائم، والتلاقي مع اللبنانيين على نهج جديد. وهو يقتضي من حزب الله أن يُسهّل مهمة الدولة لا أن يُعقّدها، وإلا فإنه يدفعها إلى واقع أسوأ وإلى اتفاق آخر بشروط أسوأ.

 

إقرأ أيضاً: حامات بعد القليعات: مطار جديد.. وشراء عقارات.. وجيش أميركي