معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

فيصل كرامي لـ”الدولة”: ثوابت السنّة لم تتغيّر.. أولوياتهم تغيّرت

المساعدة البصرية: حجم الخط

 

بين مسار تفاوضي لبناني – إسرائيلي لم يتحدّد بعد مآله، وطائفة سنّية تعيد ترتيب أولوياتها لا مبادئها… أين يقف طرابلس وبيتها السياسي التاريخي من كل هذا؟ وهل تغيّرت أولويات السنّة في لبنان؟

 

حاورته: ملاك فقيه

 

يعيش الشرق الأوسط تحولات غير مسبوقة على أكثر من صعيد، ما جعل الأنظار تتجه إلى لبنان ليس كدولة وشعب وحسب، إنّما كحواضن مجتمعية تتجاذبها وتبني عليها قوى لبنانية وإقليمية لرسم سياساتها. ينطبق هذا الأمر على المجتمعات السنية اللبنانية التي تشهد حراكاً على أكثر من صعيد سياسي واقتصادي.

وفي حديث لموقع “الدولة”، تطرّق النائب فيصل كرامي، نجل رئيس الحكومة الراحل عمر كرامي ووريث البيت الطرابلسي السياسي المعروف، إلى ملفات عديدة، مؤكداً أنّ موقف السنة في لبنان من التفاوض مع إسرائيل لم يتغيّر كمبادئ إنّما كأولويات، وأنّ لبنان اليوم أحوج ما يكون للدور الوطني للطائفة السنية بما مثّله هذا الدور دائماً من اعتدال وانفتاح وبناء مؤسسات. وفيما يتعلق بزيارة وزير الخارجية السوري إلى طرابلس، لفت النائب كرامي إلى أنّ أهالي طرابلس لا يبحثون عن اصطفافات جديدة، بل عن استعادة المدينة لدورها الطبيعي.

المزاج السنّي هل تغيّر؟

كيف تقرؤون المزاج السنّي الراهن تجاه مسار التفاوض المباشر أو غير المباشر الذي انطلق برعاية أميركية، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة؟ وإلى أي مدى يعكس هذا المزاج تبدّلاً أوسع في المقاربة العربية والإقليمية لملفات الصراع والاستقرار؟

أعتقد أنّ المزاج السني في لبنان يتّجه اليوم، كما هو حال شريحة واسعة من اللبنانيين، نحو إعطاء الأولوية للاستقرار وحماية الدولة وإنهاء دوامة الحروب والأزمات التي استنزفت البلاد لعقود. وهذا لا يعني بالضرورة وجود تأييد أو رفض مسبق لأي مسار تفاوضي، بل يعني أنّ الناس باتت تقارب هذه الملفات من زاوية المصلحة الوطنية اللبنانية أولاً.

ما نشهده في المنطقة هو تحولات كبيرة دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم سياساتها انطلاقاً من مصالحها الوطنية، ولبنان ليس بمنأى عن هذه المتغيرات. لكنّ خصوصية لبنان تفرض أن يكون أي موقف نابعاً من مؤسساته الدستورية وقراره السيادي، لا من الاصطفافات أو الضغوط الخارجية.

من هنا، فإنّ أي تفاوض مباشر أو غير مباشر يجب أن يكون هدفه حماية لبنان، تثبيت سيادته، وقف الاعتداءات عليه، وصون حقوقه الكاملة. أما القضايا المصيرية، فلا تُحسم بردود فعل آنية أو بانفعالات شعبية، بل عبر إجماع وطني تقوده الدولة اللبنانية. الرهان الأساسي يكون على الدولة والمؤسسات الشرعية، والشرط الأساس هو حماية لبنان.

هل تعتقدون أن هذا المزاج يشهد تحولاً فعلياً مقارنة بالمراحل السابقة، أم أنه يبقى مرتبطاً بظروف المرحلة وتداعيات الحرب؟ وما أبرز العوامل التي تقف وراءه: تبدل الأولويات الداخلية، المتغيرات الإقليمية، أم تداخل هذه العوامل جميعها؟

أعتقد أنّ هناك تحولاً في المزاج العام، لكنّه ليس تحولاً في الثوابت الوطنية بقدر ما هو تحول في ترتيب الأولويات. فبعد سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي والحروب، أصبح اللبنانيون، ومن بينهم أبناء الطائفة السنية، ينظرون إلى الاستقرار وبناء الدولة باعتبارهما المدخل الأساسي لحماية الوطن.

هذا التحول لا يمكن عزله عن المتغيرات الإقليمية، حيث نشهد إعادة رسم للتحالفات وميلاً لدى العديد من الدول إلى تغليب منطق المصالح والاستقرار على منطق الصراعات المفتوحة. وفي الوقت نفسه، فإنّ الواقع الداخلي اللبناني، بما يحمله من تحديات معيشية ومؤسساتية، فرض على الناس إعادة النظر في أولوياتهم.

لذلك أرى أنّ الأمر هو نتيجة تداخل العاملين معاً: المتغيرات الإقليمية من جهة، والحاجة الملحّة إلى إنقاذ لبنان وإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها من جهة أخرى. لكن يبقى المبدأ ثابتاً بالنسبة إلينا، وهو أنّ أي خيار أو مسار يجب أن ينطلق من المصلحة الوطنية اللبنانية، وأن يُتخذ عبر مؤسسات الدولة الشرعية، وبما يحفظ سيادة لبنان ووحدته وحقوقه. بالمختصر، هناك ترتيب أولويات وليس هناك تغيير بالمبادئ والقيم.

المطلوب وقف الاعتداءات الإسرائيلية

لطالما أكدتم أنّ قرار السلم والحرب يجب أن يكون حصراً بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية. برأيكم، إلى أي مدى يشكل المسار التفاوضي القائم اليوم، بما يتضمنه من ترتيبات أمنية وسياسية مطروحة، فرصة لترسيخ هذا المبدأ؟ وما أبرز عناصر القوة فيه، وما الهواجس أو الثغرات التي ترون ضرورة معالجتها لضمان حماية السيادة اللبنانية؟

لطالما أكّدت أنّ قرار السلم والحرب يجب أن يكون حصراً بيد الدولة اللبنانية، لأن هذا هو جوهر السيادة ومعنى قيام الدولة. فإذا كان المسار التفاوضي الحالي يعزّز هذا المبدأ، ويعيد للدولة دورها الحصري في إدارة العلاقات الخارجية والدفاع عن مصالح لبنان، فهو يشكّل فرصة يجب التعامل معها بمسؤولية.

لكنّ نجاح هذا المسار لا يقاس بمجرد انطلاق المفاوضات، بل بنتائجها. المطلوب أن تؤدي إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وحماية السيادة اللبنانية، واستعادة الحقوق الكاملة، وتوفير الاستقرار الذي يسمح بإعادة بناء الاقتصاد ومؤسسات الدولة.

في المقابل، هناك هواجس مشروعة يجب أخذها في الاعتبار، أبرزها ألا تُفرض على لبنان ترتيبات تمس بسيادته أو تنتقص من حقوقه، وألا يتم تجاوز المؤسسات الدستورية أو تغييب الإجماع الوطني في القضايا المصيرية. كما يجب أن يكون أي تفاوض جزءاً من رؤية وطنية شاملة، لا مجرد معالجة أمنية مؤقتة.

يثير التفاوض مع إسرائيل انقساماً في الرأي العام اللبناني بين من يراه ضرورة لحماية المصالح الوطنية، ومن يعتبره مدخلاً إلى التطبيع أو مساساً بالثوابت الوطنية. كيف تقاربون هذا الجدل؟ وأين ترسمون الحدود الفاصلة بين التفاوض الهادف إلى حماية الحقوق اللبنانية، وبين أي مسار سياسي قد يقود إلى اتفاق سلام؟

علينا أولاً أن نميز بين مبدأ التفاوض ومضمون التفاوض. فالتفاوض، بحد ذاته، هو أداة سياسية ودبلوماسية تعتمدها الدول للدفاع عن مصالحها، وقد تلجأ إليه في حالات الحرب أو النزاع أو لترسيم الحدود أو تثبيت الحقوق. لذلك، لا يجوز اختزال أي تفاوض بأنه تطبيع أو اتفاق سلام.

من وجهة نظري، التفاوض الذي تقوده الدولة اللبنانية بهدف وقف الاعتداءات، وحماية السيادة، واستعادة الحقوق، وتطبيق القرارات الدولية، هو ممارسة مشروعة تدخل في صميم مسؤوليات الدولة. أمّا الانتقال إلى اتفاق سلام أو تطبيع للعلاقات، فهو مسار سياسي مختلف تماماً، له أبعاده الوطنية والإقليمية، ولا يمكن أن يكون نتيجة تلقائية لأي مفاوضات أمنية أو تقنية.

الحد الفاصل بالنسبة لي واضح: كل ما يخدم حماية لبنان وسيادته وحقوقه، ويتم عبر المؤسسات الدستورية وبإجماع وطني، هو أمر يمكن مقاربته بمسؤولية. أمّا أي خطوة تمس بالثوابت الوطنية أو تُفرض على لبنان خارج إرادته ومصلحته الوطنية، فلا يمكن القبول بها.

في النهاية، المعيار ليس اسم العملية، بل مضمونها ونتائجها: هل تحمي لبنان وتقوي الدولة وتحفظ الحقوق، أم تنتقص من السيادة أو تفرض وقائع لا تخدم المصلحة الوطنية؟ هذا هو المقياس الذي يجب أن يحكم أي نقاش في هذا الملف.

طرابلس محرومة ونريد حقوقها

بصفتكم نائباً عن طرابلس وامتداداً لبيت سياسي ارتبط بتاريخ المدينة، كيف تقيّمون الموقف الطرابلسي اليوم تجاه المسار الذي تقوده الدولة اللبنانية في العهد الجديد، ممثلة برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام؟ وهل يشعر أبناء المدينة بأن ثمة توجهاً جدّياً لإنصاف طرابلس إنمائياً واقتصادياً واستعادة دورها الوطني؟

نحن ندعم كل خطوة تعزّز حضور الدولة ومؤسساتها، سواء بقيادة فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أو دولة رئيس الحكومة نواف سلام، لأنّ نجاح الدولة هو مصلحة لكل اللبنانيين. لكن هذا الدعم لا يلغي حقنا في المطالبة بأن تنال طرابلس ما تستحقه بعد عقود طويلة من الحرمان، فهي ليست عبئاً على الدولة، بل تمتلك مقومات اقتصادية وإنمائية كبيرة إذا أحسن استثمارها.

العلاقة مع سوريا من دولة بدولة

أثارت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس، وما رافقها من استقبال شعبي لافت، قراءات سياسية متعددة. كيف قرأتم دلالات هذا المشهد؟ وهل يعكس بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين طرابلس وسوريا، ولا سيما على المستويين الاقتصادي والتجاري، أم أن هذه العلاقة ستبقى محكومة بالاعتبارات السياسية والإقليمية؟ وكيف تردون على من رأى في الزيارة رسائل سياسية أو مذهبية تتجاوز إطارها الدبلوماسي؟

أعتقد أنّ زيارة وزير الخارجية السوري إلى طرابلس وما رافقها من استقبال شعبي يجب أن تُقرأ أولاً في إطارها الطبيعي. طرابلس مدينة منفتحة بحكم موقعها الجغرافي ودورها التاريخي، ولها امتداد اقتصادي واجتماعي مع الداخل السوري، وبالتالي من الطبيعي أن يرحب أهلها بأي خطوة يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري بما يخدم مصالح البلدين.

لكن في المقابل، لا ينبغي تحميل هذا المشهد رسائل سياسية أو مذهبية تتجاوز حجمه الحقيقي. أهل طرابلس لا يبحثون عن اصطفافات جديدة، بل عن استقرار وفرص عمل وحركة اقتصادية تعيد للمدينة دورها الطبيعي. وإذا كانت العلاقة مع سوريا ستُبنى على أساس احترام سيادة الدولتين، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتنظيم التعاون عبر المؤسسات الرسمية، فإن ذلك يصب في مصلحة لبنان وطرابلس معاً.

نحن نؤمن بأن العلاقة مع سوريا يجب أن تكون علاقة دولة بدولة، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على منطق الوصاية ولا القطيعة.

من الأفضل ألا نُسقط على كل حدث أبعاداً تتجاوز واقعه. الأولوية اليوم يجب أن تكون لفتح صفحة من العلاقات الطبيعية التي تخدم الاقتصاد اللبناني، وتسهّل حركة التجارة والترانزيت، وتحفظ في الوقت نفسه سيادة لبنان واستقلال قراره الوطني.

بعد سنوات من الحديث عن تراجع الدور السياسي السني في لبنان، هل تعتقدون أنّ المرحلة الحالية تشكل فرصة لاستعادة هذا الدور من خلال الدولة ومؤسساتها، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة إنتاج مرجعية وطنية جامعة داخل الساحة السنية بعيداً من الانقسامات؟

أعتقد أنّ الدور الوطني للطائفة السنية كان دائماً دور اعتدال وانفتاح وبناء مؤسسات، وهذا هو الدور الذي يحتاجه لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى. لذلك فإنّ استعادة هذا الدور لا تكون بالشعارات، بل بالمساهمة الفاعلة في بناء دولة عادلة وقادرة، يشعر جميع اللبنانيين أنها تمثلهم وتحمي حقوقهم بالتساوي.

في ظل الدعوات المتكررة إلى إعادة إنتاج تسويات سياسية جديدة أو تعديل موازين النظام، كيف تنظرون إلى هذه الطروحات؟ وهل ترون أن المدخل الحقيقي للاستقرار يكمن في التطبيق الكامل للدستور واتفاق الطائف وتعزيز المؤسسات، أم أن لبنان بات يحتاج إلى مقاربة سياسية مختلفة تواكب المتغيرات التي شهدتها المنطقة؟

في رأيي، لا يحتاج لبنان إلى عقد سياسي جديد بقدر ما يحتاج إلى احترام العقد القائم. المشكلة لم تكن يوماً في الدستور أو في اتفاق الطائف، بل في عدم تطبيقهما الكامل والانتقائي، وفي تجاوز المؤسسات الدستورية في محطات كثيرة.

 

اقرأ أيضاً: “الدّولة” تكشف تفاصيل حصرية عن “حُكم” إسرائيل المنطقة الصفراء