حين أعلن إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، حلّ “لجنة الطوارئ الحكومية” وقبول استقالة رئيسها محمد الفرا، تسارعت التوصيفات: البعض تحدّث عن “استسلام” حماس بعد عقدين من الحكم، والبعض الآخر رأى فيها مجرّد إعادة توزيع أدوار. لكن الفارق بين الاستسلام وإعادة التموضع ليس شكلياً، بل هو جوهر القراءة السياسية لما يجري في غزة اليوم: هل تخلّت حماس عن السلطة فعلاً، أم تخلّت فقط عن واجهتها؟
يصعب فهم هذا التطور بعيداً عن المشهد الذي أعقب عملية “طوفان الأقصى”. فالحرب لم تُضعف البنية العمرانية للقطاع فحسب، بل غيّرت البيئة السياسية التي حكمت غزة طوال السنوات الماضية. الدمار الواسع، وانهيار الخدمات، ونزوح معظم السكان، وتعطّل الاقتصاد، جعلت إدارة القطاع عبئاً ثقيلاً على أي سلطة، فيما باتت إعادة الإعمار مرتبطة، في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول المانحة، بوجود إدارة مدنية جديدة لا تكون حماس واجهتها الرسمية. وهنا يكمن أول فارق مهم: ما يُطرح على حماس ليس استسلاماً بالمعنى العسكري، بل شرط سياسي لفتح باب الإعمار والتمويل.
لماذا الآن تحديداً؟
فحسب تصريحات الناطق باسم حماس حازم قاسم، جاءت الخطوة بالتنسيق مع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، وتتزامن مع سعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول 2025. فإن كانت هذه خطوة استسلام، فهي استسلام منسَّق ومحسوب التوقيت، لا استسلام مفروض بالإكراه المباشر – وهو فارق يستحق التوقف عنده، لأن التنازل التفاوضي المدروس يختلف جوهرياً عن الانهيار.
شكوك الخصوم: من يصدّق “الاستسلام”؟
المفارقة أن أكثر من شكّك في فكرة “استسلام حماس” هو خصمها المباشر: إسرائيل. فوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر لم يصف الخطوة بأنها تنازل، بل بأنها “خدعة”، وذهب أبعد من ذلك حين شبّه محاولة حماس الحفاظ على نفوذها العسكري في غزة بنموذج وضع حزب الله في لبنان. وهذا التشبيه، القادم من الطرف الذي يُفترض أنه المستفيد الأول من أي استسلام حقيقي، يكشف تناقضاً جوهرياً في الخطاب: لو كانت حماس تستسلم فعلاً، لما كانت إسرائيل نفسها أول من ينفي ذلك. والدليل الميداني يعزز هذا الشك: فحتى تاريخه، لا تزال اللجنة الوطنية وأعضاؤها مقيمين في القاهرة، إذ لم توافق إسرائيل بعد على دخولهم إلى القطاع. فـ”الاستسلام” الذي أُعلن نظرياً لم يُترجَم بعد على الأرض، لغياب الطرف الذي يُفترض أن يتسلّم الملف فعلياً – وهذا تناقض إضافي: كيف تُستسلَم سلطة لجهة لم تدخل بعد؟
الإدارة المدنية ليست هي السلطة الفعلية
وهنا يكمن جوهر الجواب على سؤال العنوان. فحين سُئل الناطق باسم حماس عن مصير السلاح، لم يتحدث عن نزعه بل عن أن السلاح سيتم تخزينه عند جهة فلسطينية – وهذا الفارق بين “التخزين” و”النزع” هو الحد الفاصل بين الاستسلام وإعادة التموضع. فالحكم، في العلوم السياسية، لا يقتصر على إدارة الوزارات أو تقديم الخدمات، بل يرتبط أساساً بالسيطرة على أدوات القوة والأمن. ولذلك يرى رئيس اللجنة الوطنية علي شعث نفسه أن نجاح لجنته مرهون بوجود سلطة واحدة وسلاح واحد خاضع لهذه السلطة – وهو شرط لم يتحقق بعد. بعبارة أخرى: من يتخلى عن الوزارات ويحتفظ بالسلاح لم يستسلم، بل أعاد توزيع أعبائه.
قراءة أعمق: تنازل محسوب لا انهيار
في المقابل، إنّ اختزال الخطوة في إطار “المناورة” وحدها قد يكون تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً. فالحركة تواجه اليوم واقعاً مختلفاً جذرياً عن كل الحروب السابقة: نحو 45 ألف موظف حكومي في غزة ما زالوا بحاجة إلى مرجعية تشغيلية، وكلفة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، واستحالة إعادة الإعمار في ظل استمرار الحصار وإغلاق المعابر. هذا الواقع ربما دفع جزءاً من قيادة حماس إلى مراجعة حساباتها، والانتقال من أولوية الاحتفاظ بالحكم إلى أولوية الحفاظ على وجودها السياسي والتنظيمي ضمن أي نظام فلسطيني مقبل. هذا ليس استسلاماً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل صفقة: التخلي عن عبء الإدارة اليومية مقابل البقاء كفاعل مسلّح ضمن المعادلة.
المقاربة الأيديولوجية: لا استسلام طالما السلاح باقٍ
خبير سياسي مخضرم وصف الخطوة بأنها “بادرة رمزية”، مؤكداً أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في حل اللجنة الحكومية بل في الموافقة على نزع السلاح، وهي النقطة التي لا تزال – بحسب مصادر فلسطينية متابعة للمفاوضات – “عقبة جوهرية” أمام أي تسوية شاملة. وهذا يقود إلى خلاصة حاسمة: تنظيم يقوم على مشروع مقاومة طويل الأمد لا يمكن أن يُوصف بـ”الاستسلام” وهو لا يزال يحتفظ بسلاحه، مهما بلغت التنازلات الإدارية. الاستسلام الحقيقي له معيار واحد لا يقبل القسمة: من يملك السلاح.
غزة تسأل عن الكهرباء لا عن الاستسلام
وبعيداً عن سجال النخب السياسية حول توصيف “الاستسلام”، تبدو حسابات سكان غزة مختلفة تماماً. فبعد سنوات الحرب والدمار، لم يعد السؤال لدى كثير من الغزيين من يحكم القطاع أو من استسلم لمن، بقدر ما أصبح من يستطيع إعادة الكهرباء والمياه، وفتح المدارس، وتأمين العلاج. وهذا الفارق بين خطاب النخب وحاجات الناس يكشف أن جدل “الاستسلام” نفسه قد يكون، من منظور سكان غزة، ترفاً سياسياً لا يغيّر شيئاً في واقعهم اليومي.
الجواب: ليس استسلاماً، بل تنازل جزئي مشروط
الوقائع حتى تاريخه تقود إلى جواب واضح على سؤال العنوان: لا، حماس لم تستسلم. ما جرى هو تنازل جزئي عن واجهة الحكم المدني، محسوب التوقيت ومنسَّق مع وسطاء إقليميين، مقابل التمسّك الصريح بالسلاح – وهو جوهر القوة الفعلية. فلجنة بديلة لم تدخل غزة بعد، وسلاح لم يُنزع بل “يُخزَّن”، وخصم يصف الخطوة بأنها “خدعة” لا استسلاماً – كلها مؤشرات تنفي فرضية الاستسلام وتدعم فرضية إعادة التموضع. والمقياس الحقيقي القادم لن يكون بيانات ولا استقالات، بل سؤالان محدّدان: هل تدخل اللجنة الوطنية غزة فعلياً؟ وهل يتحول “تخزين” السلاح إلى نزع فعلي له؟ يوم تُحسم هاتان النقطتان، عندها فقط يمكن الحديث عن استسلام حقيقي – لا قبل ذلك.
إقرأ أيضاً: إحباط مخطّط إيراني لتصفية ترامب؟