معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

BetArabia لـ”الدّولة”: إذا طبّقنا القانون سنُفلس

المساعدة البصرية: حجم الخط

تكشف وثائق ملفّ BetArabia كيف تحوّلت ملايين الدولارات المستحقة للخزينة إلى أرباح خاصّة خلف واجهة قانونية هشّة، بينما تتقاذف الدولة المسؤولية بين وزارة المال والقضاء الإداري… فما هي أسرار شركة المراهنات “أونلاين”، BetArabia؟

هنا أجوبة، مع حقّ الردّ للشركة التي قالت إنّ تطبيق القانون سيؤدّي إلى إفلاس الشركة، ولهذا ترفض تطبيقه!

 

 

كانت قضية BetArabia عبارة عن خلاف ماليّ بين الدولة وشركة مشغّلة لمنصة مراهنات إلكترونية. لكنّها تحوّلت اليوم إلى فضيحة كبرى يتكشّف من خلالها أسماء جديدة لرجال أعمال متورطين في شبكة مصالح ضخمة تهدر ملايين الدولارات من أموال اللبنانيين.

بسحر ساحر، استطاعت شركة Online Support Services SAL المعروفة اختصاراً بـ OSS والمشغّلة لمنصّة  BetArabia، أن تلهم وزارة مالية على عدم تنفيذ قرار مجلس الوزراء كاملاً، وتكتفي بجزء يسير منه، أدّى إلى حرمان الخزينة من أموال اعتبرتها الحكومة نفسها “حقوقاً مستحقة”.

قرار ملتبس يحرم الخزينة الملايين

في جوهر القضية، يمكن القول إنّ BetArabia باتت واجهة لنشاط مالي واسع، أتاح تحقيق إيرادات كبيرة من ألعاب القمار عبر الإنترنت، في حين كانت الدولة اللبنانية غارقة في واحدة من أسوأ أزماتها المالية. ومع ذلك، بقيت معلّقة تلك الأموال التي أقرّ مجلس الوزراء بوجوب تحصيلها. فيما استفادت الشركة المشغّلة والجهات المرتبطة بها من أثرياء البلد، من واقع قانوني وإداري ملتبس انتهى، عملياً، إلى تعطيل دخول ملايين الدولارات إلى خزينة الدولة.

القرار يبدأ من 2023 وليس 2025

بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 13 الصادر في 11 أيلول 2025، تقرّر تعديل عقد الاستثمار بما يضمن ألاّ تقلّ حصة الدولة عن 35% من مجموع الدخل السنوي غير الصافي لألعاب القمار عبر الإنترنت. ومجلس الوزراء كلّف وزارة المالية التدقيق في حسابات كازينو لبنان وقيوده لتحصيل الفروقات بين هذه النسبة وما حصلت عليه الدولة فعلياً منذ تاريخ المباشرة بهذا النوع من الألعاب، مضافاً إليها الفوائد القانونية.

هذا يعني أنّ السلطة التنفيذية اعتبرت بوضوح أنّ حقّ الدولة لا يبدأ من تاريخ صدور القرار، بل من تاريخ بدء النشاط. أي من 2 تشرين الأول 2023. لكنّ المفارقة أنّ وزارة المالية، وهي الجهة المكلفة تنفيذ القرار، أصدرت أوامر التحصيل عن فترة تمتدّ فقط من أيلول 2025 حتّى نيسان 2026، أي عن ثمانية أشهر تقريباً، متجاهلة عملياً الفترة الممتدة منذ انطلاق النشاط وحتى صدور قرار مجلس الوزراء.

خسائر بـ15 مليون دولار

بحسب الجداول المرفقة بأوامر التحصيل، فقد بلغت المطالبات نحو 11 مليون دولار أميركي إضافة إلى قرابة 450 مليار ليرة لبنانية وما يعادل نحو 5 ملايين دولار… ليصل مجموع المطالبات لصالح الخزينة قرابة 15 مليون دولار أو أكثر بقليل. غير أنّ هذا الرقم، على أهميته، لا يغطي سوى جزء محدود من الفترة التي أقرّ مجلس الوزراء بأنّها “مشمولة بحقّ الدولة”.

فإذا كان مجلس الوزراء قد قرّر أنّ حقوق الخزينة تبدأ منذ 2 تشرين الأول 2023، فمن يا تُرى قرّر حصر أوامر التحصيل بثمانية أشهر فقط؟ ولماذا لم تحتسب وزارة المالية كامل الفترة التي نص عليها القرار؟ ومن استفاد من هذا التنفيذ الناقص؟ الجواب سهل وبسيط: BetArabia.

عملياً، أدّى هذا المسار إلى تقليص حجم المطالبة المالية الرسمية، قبل أن يأتي قرار مجلس شورى الدولة في 30 حزيران 2026 ليوقف تنفيذ الفقرة المتعلقة بتحصيل فروقات نسبة الـ35%. وبذلك، انتقلت الأموال من خانة التحصيل المفترض إلى خانة التجميد القضائي، فيما بقيت الخزينة محرومة من مبالغ اعتبرتها الحكومة نفسها مستحقة لها.

للشركة أقوال أخرى

عملاً بحقّ الردّ والرأي الآخر، “الدّولة” سأل القيّمين على BetArabia. فكا الجواب أنّ طرح زيادة نسبة الدولة من الأرباح هي “معادلة خاسرة للدولة نفسها”، معلّلين ذلك بجملة من الأسباب.

تؤكد  BetArabiaأنّ زيادة 35% ستُقتطع من حصّة العملاء الذين هم “أساس نجاح هذه المنصة الشرعية الوحيدة” في لبنان. وبالتالي إذا اقتطعت النسبة، “سيتوجّه هؤلاء مع زبائنهم إلى السوق السوداء للاستحصال على نسب أفضل”.

تبرر الشركة ذلك بالقول إنّ الدولة تحصّل اليوم بين 4 إلى 5 ملايين دولار شهرياً (بين مداخيل وضرائب غير مباشرة)، وبالتالي إذا رفعت الدولة نسبتها إلى 35%، فإنّ المردود سينخفض إلى 1 مليون دولار شهرياً مع تراجع مداخيل الكازينو لمصلحة السوق السوداء. وبذلك سيترتّب على كازينو لبنان دفع مبلغ يصل إلى 17 مليون دولار مع مفعول رجعي، ويؤدي إلى إفلاس الكازينو وإقفاله.

لكن من هم المستفيدون؟

المسؤولية لا تقف عند حدود وزارة المالية. فالشركة المشغّلة لمنصّة BetArabia، أي  Online Support Services SAL، التي يرأس مجلس إدارتها ويشغل منصب مديرها العام جاد غاريوس، تقف في قلب هذا النزاع. وضمن هيكلية الملكية ومجموعة الشركات المرتبطة بها.

من هذه الزاوية، يصبح السؤال أكثر حساسية:

  • هل استفادت الشركة المشغّلة والجهات المرتبطة بها، من الفجوة بين قرار حكومي واضح وتنفيذ إداري ناقص؟
  • وهل ساهم هذا الواقع في إبقاء جزء كبير من الأموال خارج الخزينة، ثم في نقل النزاع إلى القضاء بما عطّل التحصيل الفوري؟

الثغرة في الإطار التشريعي

الأخطر أنّ الإشكالية لا تتعلق فقط بالأموال، بل أيضاً بشرعية الإطار القانوني الذي سمح باستمرار النشاط. فقرار مجلس الوزراء نفسه أورد ضمن حيثياته رأي ديوان المحاسبة، الذي خلص إلى أنّ توسيع امتياز كازينو لبنان ليشمل ألعاب القمار عبر الإنترنت يحتاج إلى تدخّل تشريعي صريح، وأنّ تعديل عقد الاستثمار لا يكفي وحده لتأمين الغطاء القانوني لهذا النوع من النشاط.

وبرغم هذا الرأي الرقابي الواضح، استمرّ النشاط وواصل تحقيق الإيرادات. أي أنّ الدولة كانت تقرّ من جهة، بأنّ الإطار القانوني يحتاج إلى استكمال تشريعي، وتسمح من جهة أخرى باستمرار تشغيل منصة مراهنات إلكترونية تدرّ ملايين الدولارات، من دون أن تنجح في ضمان تحصيل كامل حقوقها منها.

بل إنّ مجلس الوزراء كلّف وزارة المالية إعداد مشروع قانون لتعديل القانون رقم 417/1995 بما يجيز صراحة هذا النوع من الاستثمار، في ما يشبه الاعتراف الرسمي بأنّ الوضع القانوني القائم غير مكتمل. ومع ذلك، بقيت المنصّة تعمل، وبقيت الشركة المشغّلة تستفيد من النشاط، وبقيت الخزينة تنتظر أموالاً لم تدخل إليها… وبقيت الأرباح تدخل جيوب جاد غاريوس وسركيس سركيس وجوزاف لاوون وغيرهم.

وهكذا، يصبح ملف BetArabia نموذجاً فاضحاً للتناقض اللبناني بين القرار والتنفيذ، وبين الرقابة والتساهل، وبين حاجة الدولة إلى الإيرادات وقدرتها الفعلية على تحصيلها.

 

*المزيد من التفاصيل والوثائق الخاصّة في الحلقة المقبلة بعد يومين

 

إقرأ أيضاً: فيصل كرامي لـ”الدولة”: ثوابت السنّة لم تتغيّر.. أولوياتهم تغيّرت