معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

“المناطق التجريبية” (2/2): طريق السيادة.. أو إدارة للاحتلال؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

في الجزء الأوّل من هذا التقرير قدّم موقع “الدّولة” قراءة في 6 مناطق تجريبية حول العالم، من سيناء إلى كوريا وأندونيسيا والبوسنة والهرسك وكولومبيا والسودان.. نصل اليوم إلى جنوب لبنان: هل تكون هذه المناطق جسراً نحو عودة الدولة وانتشار الجيش وعودة السكان والسيادة اللبنانية؟ أم تتحوّل إلى منطقة أمنية جديدة تُدار من خلف الحدود في حكم إسرائيلي مقنّع؟

 

هل نحن أمام قوّة متعدّدة الجنسيات” في جنوب؟ لبنان؟

يكشف الكاتب والمحلّل السياسي إلياس الزغبي أنّ ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية” التي نصّ عليها اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، تتّجه إلى التنفيذ “بشكل غير قابل للرجوع”. على اعتبار أنّ الجدية في هذا المسار تعود أساساً إلى الإشراف الأميركي المباشر، وما رافقه من اجتماعات مكثفة بين الجيشين الأميركي واللبناني، وتنسيق تقوده القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) بين لبنان وإسرائيل.

ويعتبر الزغبي في حديثه لـ”الدّولة” أنّ “إسرائيل لا تزال تبدي تحفظات على هذه الآلية، إلا أنّ الضمانات التي تقدّمها واشنطن كفيلة بتخفيفها”، متوقعاً أن “تبدأ المرحلة الأولى قريباً بعد تحديد المناطق جغرافياً، على أن يكون الاختبار الحقيقي للدولة اللبنانية، وتحديداً للجيش اللبناني، في قدرته على فرض سيطرة فعلية وكاملة على المناطق التي سيخليها الجيش الإسرائيلي”.

ويشير إلى أنّ الجولة الثالثة من المفاوضات المرتقبة في روما ستشكّل الغطاء السياسي لهذه الخطوة، معتبراً أنّ أبرز ما يميزها هو الفصل الكامل بين المسار اللبناني ـ الإسرائيلي والمسار الإيراني ـ الأميركي، وهو ما يراه “أحد أهم مقومات نجاح التجربة”.

الدليل على هذا الفصل يتمثل في أنّ التفاهم الأميركي ـ الإيراني انهار مع تبادل الضربات العسكرية، فيما بقي اتفاق الإطار الخاصّ بجنوب لبنان قائماً وانتقل إلى مرحلة تنفيذية رغم الخروق المحدودة لوقف إطلاق النار.

دخول سوري مسلّح إلى لبنان؟

هذا لا ينفي احتمال وجود انتكاسة في المرحلة الأولى، لكن الضوابط الأميركية قادرة على معالجة العقبات. ويلفت الزغبي إلى أنّ التجربة ستكون اختباراً للجيش اللبناني، كما ستكون اختباراً لحزب الله “بمعنى أن يضطر إلى القبول بالعملية التنفيذية وعدم الاصطدام مع الجيش اللبناني”.

لكنّ فشل التجربة قد يدفع الولايات المتحدة وشركاءها إلى البحث عن بدائل أكثر تعقيداً، من بينها “تشكيل قوّة متعدّدة الجنسيات قد تكون سوريا جزءاً منها، لتتولى معالجة ملف السلاح ميدانياً”، بحسب الزغبي.

وهو يختم بالتأكيد أنّ كفة النجاح تبقى الأرجح، لأنّ البدائل “أكثر خطورة”، سواء عبر توسيع الدور العسكري الإسرائيلي أو اللجوء إلى قوة دولية، مضيفاً: “المناطق التجريبية محكومة بالنجاح”.

“فخ استراتيجي”

في المقابل، يرى الباحث في الشؤون العسكرية والسياسية عمر معربوني أنّ المعادلة مختلفة في جنوب لبنان عن النماذج الأخرى وتحديداً سيناء، إذ يُطرح الانسحاب الإسرائيلي في الجنوب على مراحل مقابل اختبار قدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة ومنع عودة حزب الله. ما يجعل “إسرائيل عملياً الطرف الذي يراقب ويقيّم نجاح التجربة، رغم أنها لا تزال قوة احتلال وتواصل الغارات والخروقات”.

في حديثه لـ”الدولة” لا يحسم معربوني مصير المناطق التجريبية مسبقاً، معتبراً أنّها قد تنجح ميدانياً في منطقة محددة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى “فخ استراتيجي” إذا لم تُربط بشروط لبنانية واضحة.

بالطبع الجيش اللبناني قادر على الانتشار وفرض الأمن، لكنّ نجاح الانتشار لا يعني تلقائياً نجاح التجربة، لأنّ الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان سيؤدي إلى انسحاب إسرائيلي نهائي، ووقف القصف، وعودة السكان، وبدء إعادة الإعمار، لا الاكتفاء بانسحاب شكلي تبقى بعده المنطقة تحت المراقبة الجوية والنارية الإسرائيلية.

ويشير إلى أنّ نجاح النموذج يحتاج إلى انسحاب إسرائيلي كامل ومتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، إضافة إلى خريطة واضحة وجدول زمني ملزم، لأنّ مصطلح “تجريبية” قد يبقي المنطقة في حالة مؤقتة لسنوات إذا لم يُحدّد سقف زمني واضح. وهو ما لا يحدّده اتفاق الإطار.

أي ترتيب أمني لا يمكن أن ينجح من دون وقف الغارات والاغتيالات والاستطلاع الجوي، ولا يمكن اعتبار المنطقة تحت سيطرة الدولة بينما تبقى إسرائيل تحتفظ بحقّ التدخل متى رأت تهديداً، بحسب معربوني.

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الجيش اللبناني يحتاج إلى دعم حقيقي، لا يقتصر على بيانات سياسية، بل يشمل تجهيزات وقدرات لوجستية تسمح له بالسيطرة على الأرض، مع ربط الأمن بعودة الأهالي وإعادة الإعمار، لأنّ “القرية الخالية من سكانها لا تُعتبر منطقة ناجحة، بل تتحول عملياً إلى منطقة عازلة”.

ويحذّر معربوني من معالجة ملف السلاح عبر صدام داخلي، معتبراً أنّ المطلوب استراتيجية دفاع وطني وتفاهم لبناني، لأنّ الجيش لا يستطيع أن يدخل في مواجهة داخلية ثم يُطلب منه في الوقت نفسه حماية الحدود ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. ويختم بالإشارة إلى أنّ الفشل يبدأ عندما تتحول المناطق التجريبية إلى “جزر أمنية” منفصلة، أو عندما ينفّذ لبنان التزاماته فيما تواصل إسرائيل القصف وترفض الانسحاب.

إدارة للاحتلال أم طريق السيادة؟

بين رهانات النجاح ومخاوف الفشل، تبقى “المناطق التجريبية” أكثر من مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، فهي اختبار حقيقي لمستقبل الجنوب اللبناني: هل تقود إلى تثبيت سيادة الدولة وإنهاء النزاع، أم تتحول إلى صيغة جديدة لإدارة أزمة مفتوحة؟

وبين تفاؤل الزغبي بأنّ “البدائل أكثر خطورة”، وتحذير معربوني من تحوّل التجربة إلى “جزر أمنية” منفصلة، يبقى المؤكد أنّ نجاح المناطق التجريبية لن يُقاس بعدد الجنود المنتشرين، بل بعودة السكان وإعادة الإعمار ووقف الغارات الإسرائيلية.

فإما أن تتحوّل هذه المناطق إلى نموذج سيناء جديد يعيد للدولة سيادتها، أو إلى نسخة لبنانية من أبيي، حيث يتحوّل المؤقت إلى دائم، ويبقى الجنوب رهينة اختبار لا أحد يضمن نتيجته.

 

إقرأ أيضاً: “مناطق تجريبية”: سيناء وكوريا وأندونيسيا والبوسنة وكولومبيا والسودان