نعيش مرحلة ” الثلاثي المأزوم”: ميليشيا مأزومة، دولة مأزومة والأخطر “جيش مأزوم”
وتجتمع هذه الأزمات في المفاوضات المباشرة في روما والتي تعتبرالأكثر تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث. فلم تعد هذه المفاوضات مجرّد مسار لوقف التصعيد أو ترتيب حدودي مؤقت، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على ترجمة أي تفاهم سياسي إلى واقع أمني، وفي قلب هذا الاختبار يقف الجيش اللبناني وقائده العماد رودولف هيكل.
لا ينظر الأميركيون إلى الجيش اللبناني باعتباره مجرد قوّة انتشار ميداني، بل باعتباره الاختبار العملي لقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية وملء الفراغ بعد تراجع قدرة القوى غير الرسمية على فرض المعادلات السابقة. فالمسألة في روما لا تتعلّق فقط بمن يراقب الحدود، بل بمن يملك القرار الأمني السيادي في لبنان خلال المرحلة المقبلة، ويرسم بالتالي شكل الدولة اللبنانية المستقبلي وعلاقتها بالخارج.
فبعد عقدين من صدور القرار ١٧٠١، كان النقاش الدولي يتمحور حول كيفية احتواء سلاح حزب الله ومنع انفجار مواجهة واسعة. أمّا اليوم، وبعد التحولات الميدانية الكبرى، فقد انتقل السؤال إلى مستوى أكثر حساسية: هل تملك الدولة اللبنانية المؤسسة القادرة والراغبة في فرض الترتيبات الأمنية إذا حانت لحظة التنفيذ؟ فالجيش اليوم يُطلب منه تنفيذ ما عجزت صيغة ١٧٠١ عن إنجازه كاملاً خلال عقدين: تحويل الانتشار الرسمي إلى احتكار فعلي للقرار الأمني والعسكري جنوباً.
من هنا، لم يعد الجيش مجرّد جهة تنفيذية، بل أصبح عنواناً لأزمة ثقة مزدوجة: ثقة الخارج بقدرته على تطبيق الالتزامات، وثقة الداخل بدوره وحدود مهماته في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.
المناطق التجريبية: أول اختبار عملي لاحتكار الدولة للسلاح
تتمحور الطروحات المتداولة في مفاوضات روما حول صيغة أمنية تعرف بـ “المناطق التجريبية” )pilot zones) جنوب نهر الليطاني، تقوم على انتشار تدريجي للجيش في مناطق محددة لضمان خلوها من السلاح غير الشرعي وبنيته التحتية، تمهيداً لانسحاب القوات الإسرائيلية.
لكن هذه الصيغة تحمل في داخلها عقدة سيادية كبيرة، إذ تشير المعطيات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية إلى إصرار أميركي وإسرائيلي على آليات تحقق ورقابة أكثر صرامة، قد تصل بحسب بعض التقارير إلى اقتراح إشراف عسكري مباشر على مراحل التنفيذ. هذا الإصرار يرتبط بتجربة تطبيق القرار ١٧٠١ بعد عام ٢٠٠٦، حيث ترى واشنطن وتل أبيب أنّ غياب آليات رقابة فعالة سمح بإعادة بناء قدرات عسكرية جنوباً، بما يعيد إنتاج معادلة ما بعد عام ٢٠٠٦.
في المقابل، تتحفظ أوساط لبنانية رسمية على أي صيغة تجعل الجيش في موقع “الاختبار” قبل الحصول على ضمانات مقابلة، ويتمسك رئيس الجمهورية جوزيف عون بمبدأ التزامن بين الانسحاب الإسرائيلي والانتشار الشرعي، تفادياً لتحميل الجيش مسؤولية أمنية منفردة في بيئة شديدة الحساسية.
أزمة الثقة الداخلية والقرار السياسي: جيش الدولة أم جيش التوازنات؟
لا تأتي أزمة الجيش من الخارج فقط، بل من الانقسام اللبناني الحاد حول دوره وحدود حركته:
الانقسام السياسي وسؤال الشرعية: ترى القوى السيادية أنّ المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية لاستعادة قرار الدولة، وأنّ أي تردد في تطبيق القرارات السيادية سيكرّس استمرار ازدواجية السلاح. في المقابل، ترى قوى الثنائي الشيعي وما تبقّى من حلفاءها أنّ محاولة فرض ترتيبات أمنية تحت ضغط خارجي تستهدف انتزاع عناصر القوة من لبنان وتحويل الجيش إلى أداة تنفيذية لمشروع دولي. فالجيش، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع أن يحسم ملفاً بهذا الحجم من دون قرار سياسي واضح يمنحه الشرعية الداخلية والغطاء الوطني اللازم.
القدرة اللوجستية ورهان المانحين: تصطدم طروحات “روما” بواقع اقتصادي مرير يعصف بالمؤسسة العسكرية اللبنانية، فالحديث عن انتشار واسع وتطويع آلاف الجنود لملء الفراغ جنوباً يواجه معضلة التمويل الشائكة، في وقت لا يزال فيه الجيش يعتمد على المساعدات العينية والمنح الخارجية لتأمين أدنى مقومات الصمود لعناصره. فالجيش لا يخوض هذا الاختبار في فراغ، بل في ظل اعتماد متزايد على الدعم الأميركي والغربي، ما يجعل قدرته على التنفيذ مرتبطة أيضاً بمدى استعداد الخارج لتمويل مرحلة الانتقال. وهنا يبرز “رهان المانحين” الحقيقي، اذ لا ينظر هؤلاء إلى قدرة الجيش على الانتشار فحسب، بل إلى مدى قدرته على البقاء كمؤسسة وطنية متماسكة تحافظ على استقلالية قرارها، وتستخدم هذا الدعم لبناء قدرة دولة حقيقية لا لمجرد إدارة أزمة مستمرة. ومن هنا، يصبح السؤال في روما ليس فقط عن “إرادة” الجيش، بل عن قدرته اللوجستية ومن سيتكفل بفاتورة هذا الانتشار المكلف.
العقيدة العسكرية: حماية الاستقرار أم تأجيل الحسم؟
تكمن العقدة الأعمق في طبيعة العقيدة العسكرية اللبنانية نفسها. فالجيش لم يُبن عسكرياً لخوض مواجهة داخلية مع مكونات لبنانية كبيرة، بل للحفاظ على وحدة البلاد ومنع الانفجار الأهلي. هذا الواقع يفسّر الحذر الذي يطبع أداء المؤسسة في الملفات الحساسة، إذ تعتبر قيادات عسكرية أنّ الحفاظ على وحدة الجيش وتماسكه هو شرط أساسي لبقاء الدولة نفسها.
فالعقدة لا تكمن في العقيدة العسكرية للجيش وحدها، بل في غياب توافق وطني نهائي حول مفهوم احتكار الدولة للقوة المسلحة. لكن هذا المنطق يواجه انتقادات متزايدة من خصوم المؤسسة، الذين يرون أنّ حماية التماسك الداخلي لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة دائمة لتأجيل حسم دور الدولة واحتكارها للسلاح، معتبرين أنّ النأي بالنفس عن القضايا السيادية الكبرى قد يفرغ مفهوم الدولة من جوهره بمرور الوقت.
رواية “الواجهة الحامية” ومحطات الاحتكاك الداخلي
يتّهم منتقدون القيادة العسكرية بأنّ انتشار الجيش جنوب الليطاني خلال السنوات الماضية تحوّل عملياً إلى ما يشبه “الواجهة الحامية”، فهي تحولت عملياً، في نظرهم، إلى غطاء شرعي أمام المجتمع الدولي، بينما استمرّت خلفه عملية بناء بنية عسكرية ضخمة. ويرى أصحاب هذا الطرح أنّ الجيش كان يفترض أن يستخدم قدراته الاستخبارية لرصد هذه التحركات وتوثيقها رسمياً لتبرئة ذمته وإلقاء المسؤولية على عاتق السلطة السياسية.
وتجد هذه القراءات ما يغذيها لدى المنتقدين في محطات داخلية عدة، حيث يذهب بعض خصوم القيادة في قراءتهم السياسية (التي لا ترقى لكونها حقائق مثبتة) إلى تفسير أحداث مثل “حادثة صخرة الروشة” وتمريرها دون صدام ميداني، بوجود قنوات تواصل يعتبرونها غير معلنة تجمع قيادة الجيش بمسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا بهدف تلافي الانفجار في العاصمة (حيث خرج وفيق صفا بفيديو يشكر فيه قائد الجيش بعد الحادثة). كما يرى هؤلاء في فيتو سياسي تعتبر بعض القوى أنّه حال دون أي تغيير في قيادة الجيش، مؤشراً، من وجهة نظرهم، على رغبة متبادلة في الإبقاء على عقيدة المؤسسة بعيدة عن أي مواجهة فعلية مع قوى الأمر الواقع.
في المقابل، يؤكّد المدافعون عن المؤسسة العسكرية أنّ الجيش يعمل ضمن حدود القرار السياسي والغطاء الوطني المتاح، وأنّ مواجهة مباشرة مع قوى مسلحة كبرى في ظل غياب توافق وطني كانت ستؤدي حتماً إلى تفجير المؤسسة وربما البلاد بأكملها.
غياب الوفد العسكري: تكتيك تفاوضي أم تحفظ؟
أثار غياب وفد عسكري رسمي يمثل اليرزة مباشرة عن مفاوضات روما تساؤلات عدة، خصوصاً مع اقتصار الحضور التقني على العميد المتقاعد زياد هيكل بصفته مستشاراً لرئيس الجمهورية لشؤون الدفاع، فما هو التفسير الممكن لهذا الغياب؟
تكتيك تفاوضي: يكمن الهدف في إبقاء الملف في إطاره السياسي والدبلوماسي البحت بقيادة البعثة الرسمية (السفير سيمون كرم والسفيرة ندى معوض)، لعدم إلزام الجيش بتعهدات ميدانية قبل وضوح الضمانات الدولية والانسحاب الإسرائيلي.
التحفظ وتجنب الصدام: تحفظ قيادة الجيش على الانخراط المباشر في ترتيبات قد تضعها لاحقاً أمام مواجهة عملياتية وسياسية معقدة تفوق قدرتها اللوجستية والسياسية على الاحتمال.
وفي الحالتين، يكشف هذا الغياب أنّ المؤسسة العسكرية لم تُمنح بعد دور الشريك الكامل في صناعة هذه الترتيبات هندسةً وتخطيطاً، بل بقيت حتى اللحظة في موقع الجهة التي يُفترض أن تنفذ نتائجها وتتحمل تبعاتها الميدانية والسياسية.
روما تختبر الدولة قبل الاتفاق
تقف مفاوضات روما اليوم أمام لحظة فاصلة: فالعصر الذي كان يسمح بإدارة الأزمة عبر الغموض والموازنات الدقيقة يقترب من نهايته. والجيش اللبناني بات أمام ثلاثة احتمالات أساسية:
أولاً: مسار الانتقال التدريجي نحو احتكار الدولة للسلاح وتنفيذ التفاهمات عبر فرض سلطة الشرعية بدعم سياسي لبناني ورعاية دولية متوازنة.
ثانياً: تراجع الثقة الدولية وتجميد المساعدات والمنح اللوجستية للمؤسسة العسكرية إذا ما تعثرت عملية التنفيذ ميدانياً.
ثالثاً: استمرار النهج التقليدي القائم على إدارة الأزمة وتأجيل الحسم بانتظار تبدل التوازنات الإقليمية.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في قدرة الجيش وحده على الانتشار، بل في اتفاق اللبنانيين على تعريف وظيفة الدولة وحدود القوة داخلها، فالجيش لا يستطيع أن يملأ فراغاً سيادياً إذا بقي القرار السياسي نفسه موضع انقسام.
إنّ الاختبار الحقيقي لا يقع على عاتق الجيش بمفرده، فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع أن تحمل وحدها عبء قرار استراتيجي تاريخي لم تتوافق عليه وتتخذه السلطة السياسية بوضوح. لهذا، لم تعد معركة روما تدور حول رسم خطوط على الخرائط أو تثبيت ترتيبات أمنية جديدة، بل حول سؤال أكثر عمقاً: هل تملك الدولة اللبنانية، بمؤسساتها السياسية والعسكرية والشرعية، وفي مقدمتها الجيش، القدرة والإجماع السياسي لتحويل أي اتفاق من نص مكتوب إلى واقع قابل للحياة؟ فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير مفاوضات روما، بل قد ترسم أيضاً ملامح الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة.
إقرأ أيضاً: “المناطق التجريبية” (2/2): طريق السيادة.. أو إدارة للاحتلال؟