“بلا آراء وبلا حرية رأي.. خفّفولنا ايّاها هاي الفترة”…
ربما تكون مقولات زياد الرحباني عن الحرية مثيرة للجدل. إنما يبقى حديثه عنها تحديداً في إحدى حلقات برنامج “العقل زينة” الإذاعي قبل نحو أربعين عاماً بصمة لا تمحى، حين اعتبر أنّ الاستغناء عن “الحرية” ممكن، عندما تكون بلا جدوى، مقارنةً بالصبر على بناء دولة يصبح فلاحوها مالكين!
تفتح هذه النظرة مجالاً لأصحاب توجهات مختلفة لتبرير القمع أحياناً أو لنقد قيَم الغرب. بالمقابل لا ينبغي تجاهل حقيقة أن ما ذكره زياد في برنامجه كان بسياق محدد، إذ قارن بين التجربتين الأميركية والسوفيتية في وقتها، وتناول موضوع شتيمة المواطن للسياسيين.
يمرّ الوقت ولا تزال “ترشئات” زياد وكلماته المتهكمة تعبُر الأزمنة فتتطاير منها شرارات سوسولوجية لدى إسقاطها على واقع لبناني وعربي: حروب وثورات وتجارب تحرُّر وتحرير تتكرر في منطقتنا ولا تنتج حريّة. فهل المشكلة في “الرأي”؟ وهل يتسع كلام زياد لنعيد عبره تقييم الآراء والمواقف والحركات سواء المناهضة لأنظمة مستبدة أو لإسرائيل أو لأميركا؟
ما هي “السرسجة”؟
لبناء تحليلات أوسع مستمدة من قراءة زياد لفكرة الحرية لا بد من الابتعاد أولاً عن أي استعمالات رغبويّة مثل وصم التغيير والجدل بـ”العدمية”، أو التهوين من نضال أشخاص بذلوا أعمارهم أملاً بواقع أفضل. بعدها يمكن وضع التطبيقات العملية والنماذج تحت المجهر.
على صعيد عربي تصِف مسميات عديدة إيجابية أو سلبية السلوكيات ذات النزعة التغييرية. ولعل أبسط مسمّى ظهر في هذا السياق هو “السرسجة”. يرجع المصطلح إلى جذور مصرية، وقد ارتبط بوصف خطاب الإخوان المسلمين تجاه السلطة، كما استُخدم لأغراض أخرى كالإشارة إلى أسلوب احتجاج أبناء العشوائيات ممن يوظفون البذاءة في التواصل والغناء للتعويض عن شعورهم بالتهميش.
تصلُح استعارة هذه التسمية – على حدّتها – لصنع مقاربة أشمل لأفعال التغيير ذات الأهداف غير المفهومة. قد تتضمن هذه الأفعال على سبيل المثال مشهد جماهير رياضية في المغرب ترفع علم فلسطين دعماً لـ”القضية” (مع تساؤل بديهي هنا إن كان الأنفع لفلسطين المطالبة بقطع العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل!). أو تساؤلات أعقد عن جدوى الربيع العربي، وإن كانت ثورات لا تقدّم خطاباً جديداً، وتُنافس النظام على الأكثر قرباً إلى الله هي سرسجة متغوّلة أو رحلة استكشافية مُكلفة لشعب! أو السؤال إن كانت ميليشيات “مقاوَمة” تكبُر وتتضخم من مناكفة الدولة حول “تحديد العدو، العمالة…” هي فعل شعبي تاه عن طريق القدس، أم سرسجة مسلّحة تعرف طريقها؟ هل هو قدَر أشكال التمرد العربي ان تتمحور حول رموز طوطمية مقدسة، فيما الناس يموتون من الفقر أكثر من موتهم بسبب “أعداء” خارجيين؟
بورديو هو الحلّ؟
في الشارع والملعب والصحيفة ومواقع التواصل، وبمشاركة المواطن العادي والمسؤول الحكومي والشيخ تتمظهر السرسجة بوصفها “مجالاً” قبل كل شيء. والمجال بالمعنى الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930–2002) هو فضاء/حيّز اجتماعي له قواعده الخاصة يتنافس فيه الفاعلون على النفوذ والاعتراف. أي أنّه يضم أطرافاً تتصارع على أشكال من رأس المال الرمزي (مكانة وهيبة) والاجتماعي (شبكة علاقات) والنوعي (شعبية، شرعية مرتبطة بالمجال). تفيدنا مفاهيم بورديو ليس لتطبيقها حرفياً على النموذج العربي إنما لتأطير ما أسميناه تجاوزاً “ظاهرة السرسجة”. ولعل أفضل ما تقدمه أفكاره هو وضع خصائص لـ”المجال” منها “علاقة القوة” أي التناحر على شيء قيّم بنظر المتصارعين (وهو شيء مكبوت في البديهي، ومتروك للعقيدة السائدة بحسب بورديو).
هذه العلاقة تجيب تلقائياً على أسئلة من نوع:
- بأي حقّ يتّهم مواطن آخرين بـ “العمالة” بل ويتوعدهم بالأذى بسبب موقفهم من “المفاوضات” مع أنّ العقد الاجتماعي والدستور لا يتضمن هذه الجزئية، بل تتولى الدولة ذلك؟
- ولأيّ غاية يصف ناشطون رئيس البلاد بأنه “خائن” حين يسعى للسلام؟
- وعلى أي أساس ينشغل حزب أردني أو كوميديان مصري على قناة خليجية بمدى سيادة الدولة اللبنانية؟
- ما الرابط بين هؤلاء؟ أخوة في وطن، دين، عروبة، أمة؟ أم متنافسون؟
- ولماذا تتشابه صراعاتهم سواء كانت حول معايير “دعم فلسطين” أو “إقامة حدود الله في الأرض” أو “العفّة وطريقة لبس الحجاب ” مثلاً؟
حلال وحرام
توفر تلك الأمثلة إمكانية فهم “السرسجة” باعتبارها مادة أولية للعلاقات الاجتماعية والفن والعمل السياسي. هي نظام رمزي يبني مَجالاً لنزاعات ذات أهداف متعددة بينها احتكار العنف المشرعن. وضمن هذا النظام تبرُز اللغة كأداة تواصل يكون للكلمات فيها سُلطة وعمل. بالتالي تتجلّى السرسجة أيضاً كـ”خطاب طقوسي” كما يسميه بورديو. أي قوالب للقول تكتسب قوتها من الاعتراف الاجتماعي والمؤسسة لا من مضمونها وحده، ومثالها عبارة القاضي: حُكِمَ على فلان بكذا..” أو تلقينات الشيوخ للناس وما ينطقون به.
وفي الحالة العربية فالسرسجة أعقد من ربطها بمؤسسة واحدة، وقد تتأثر بمبررات إيديولوجية تمزج قِيَم القبيلة ولغة التحليل والتحريم بادعاءات تفوق أخلاقي لأتباع حركات ثورية راديكالية.
القضية لا تكسب
تبدو السرسجة كحلقات مفرغة: إما أن تعيد تدوير النقد – الأخلاقوي لا المطلبي – بحقّ سياسيين كمحتوى ترفيهي وقوّة ناعمة تستخدمها دول ضدّ أخرى، أو تحقق مكاسب دعائية لرياضيِّ ناصرَ “القضية الفلسطينية” بتصريح، أو تمنح ناشطأً انتقد نظام بلده حقّ اللجوء في بلد آخر، أو تكتفي بتوجيه عائد الاستهلاك نحو مسارات جديدة عقب مقاطعة منتجات معينة كـ “بيبسي” و”ماكدونالدز”، أو تستقطب وعي وطاقات جماعة، وتُسخّرها لخدمة ميليشيا ومشروع دويلة موازية.
تتنوّع الأمثلة لكنها لا تبتعد عن معارك القيمة والمواقع، لتقودنا في النهاية إلى فكرة زياد الرحباني حول “الحرية الزائفة” إنما بوصفها ساحة بديلة لنزاعات المُلكية.
وبدلاً من أن نسأل أنفسنا بأسلوب “زيادي” ساخر: هل نحن مع الحرية أم مع فلاحين يملكون الأرض؟ نذهب لسؤال: كيف وماذا يريد الفلاحون والعمال والناشطون أن يكسبوا من السرسجة والنضالات الوهمية؟ ضحكة مجانية، إعجابات، زعامة ميليشيا، مقعد نيابي، مرتبة في الجنة..؟