بين رغبة متصاعدة بجسمٍ “مثاليّ” واستخدام عشوائيّ بعيد عن الإشراف الطبّيّ، تتحوّل إبر التّنحيف من علاج للسّمنة إلى مصدر خطر حقيقيّ. فمن انخفاض حادّ في سكّر الدّم إلى فقدان كبير في الكتلة العضليّة ومشكلات في المرارة، تكشف اختصاصيّة التّغذية العلاجيّة سارة شقير حجم المضاعفات الّتي قد يدفع ثمنها كلّ من يتعامل مع هذه الحقن باستخفاف.
في السّنوات الأخيرة، انتقلت إبر التّنحيف من عيادات علاج السّمنة إلى منصّات التّواصل الاجتماعي، لتصبح من أكثر الوسائل انتشاراً في عالم خسارة الوزن. ويُشارك العديد من الأشخاص والمؤثّرين تجاربهم والنّتائج الّتي حقّقوها، ما عزّز الإقبال عليها باعتبارها وسيلة فعّالة لإنقاص الوزن وتحقيق صورة الجسم المثاليّ. لكن خلف هذا الانتشار، تبقى هذه الأدوية علاجات طبّية تحتاج إلى تقييم ومتابعة، وليست حلّاً سريعاً لتحقيق معايير جماليّة أو خسارة بضعة كيلوغرامات.
صُمّمت إبر التّنحيف أساساً لمساعدة الأشخاص الّذين يُعانون من السّمنة أو زيادة الوزن المرتبطة بمشكلات صحّية مثل السّكّري وارتفاع ضغط الدّم، إذ تعمل على تقليل الشّهيّة وزيادة الشّعور بالشّبع، ما يُساهم في خفض كمّيّة السّعرات الحراريّة المستهلكة وفقدان الوزن تدريجيّاً.
وفي ظلّ انتشار ثقافة الوزن المثاليّ والسّعي وراء نتائج سريعة، يبرز السّؤال: هل تمثّل إبر التّنحيف ثورة في علاج السّمنة، أم أنّها أصبحت في بعض الحالات وسيلة تُستخدم بعيداً عن الحاجة الطبّيّة الحقيقيّة؟
أنواع الإبر وآليّة عملها
توضح اختصاصيّة التّغذية العلاجيّة سارة شقير أنّ: “إبر التّنحيف هي أدوية تُستخدم لعلاج السّمنة، ومن أبرزها مونجارو (Mounjaro)، وأوزمبيك (Ozempic)، وويغوفي (Wegovy)”. وتُشير إلى أنّ “ويغوفي يحتوي على المادّة الفعّالة نفسها الموجودة في أوزمبيك، وهي سيماجلوتايد (Semaglutide)، لكن بجرعات أعلى ومخصّص لعلاج السّمنة، بينما يحتوي مونجارو على مادّة تيرزيباتيد (Tirzepatide) الّتي تعمل بآليّة مختلفة”.
وتُضيف أنّ: “هذه الأدوية تعمل على تقليل الشّهيّة، وإبطاء إفراغ الطّعام من المعدة، وتحسين استجابة الجسم للأنسولين، لأنّها تُحاكي عمل هرمونات طبيعيّة في الجسم، أبرزها GLP-1 المسؤول عن تعزيز الشّعور بالشّبع وتنظيم الشّهيّة”.
لماذا ازداد الإقبال عليها؟
ترى شقير أنّ “انتشار تجارب المستخدمين عبر وسائل التّواصل الاجتماعي كان من أبرز أسباب زيادة الإقبال عليها، إذ يعرض العديد من الأشخاص والمؤثّرين التّغيّرات الملحوظة في أوزانهم وشكل أجسامهم قبل العلاج وبعده، ما دفع كثيرين إلى التّفكير في استخدامها. كما ساهمت سهولة استعمالها في انتشارها، فهي تُعطى على شكل حقنة أسبوعيّة يُمكن استخدامها في المنزل، الأمر الّذي جعلها تبدو خياراً سهلاً مقارنة ببعض طرق علاج السّمنة الأخرى”.
لكنّ هذا الانتشار تجاوز أحياناً الفئات الّتي تحتاجها طبّيّاً، إذ بدأ بعض الأشخاص باستخدامها بهدف الوصول إلى معايير جماليّة أو خسارة وزن سريع، ما أدّى إلى ظهور حالات استخدام عشوائيّ بعيداً عن الإشراف الطبّيّ، وهو ما قد يُعرّض المستخدمين لمخاطر صحّيّة جسيمة.
فوائد تتجاوز خسارة الوزن
تؤكّد اختصاصيّة التّغذية العلاجيّة أنّ “فوائد إبر التّنحيف لا تقتصر على إنقاص الوزن، إذ أظهرت الدّراسات العلميّة الّتي أُجريت على مدى سنوات أنّها قد تُساهم في خفض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدّمويّة، وتحسين صحّة الكبد، خصوصاً لدى الأشخاص الّذين يُعانون من الكبد الدّهنيّ، إضافة إلى تحسين التّحكّم بمستويات السّكّر في الدّم لدى بعض المرضى”.
وتُضيف أنّ “هذه الأدوية تُستخدم خصوصاً عندما لا يحقّق النّظام الغذائيّ الصّحّيّ والنّشاط الرّياضيّ النّتائج المطلوبة وحدهما، إذ قد تتداخل عوامل عدّة في زيادة الوزن، منها اضطرابات الشّهيّة، ومقاومة الأنسولين، وبعض العوامل الهرمونيّة أو النّفسيّة الّتي تؤثّر في السّلوك الغذائيّ”.
الآثار الجانبيّة الأبرز
تُشير شقير إلى أنّ “الآثار الجانبيّة الأكثر شيوعاً تشمل الغثيان، والدّوخة، والتّقيّؤ، والإسهال أو الإمساك، وقد يحدث الجفاف في بعض الحالات نتيجة انخفاض تناول السّوائل”.
مشدّدة على ضرورة استخدام هذه الأدوية تحت إشراف طبّيّ كامل، لأنّ تحديد الجرعة المناسبة يعتمد على تقييم شامل لحالة الشّخص؛ يشمل الفحوصات الطبّيّة المخبريّة، ووظائف الكبد والبنكرياس، ونسبة الدّهون والكتلة العضليّة في الجسم، ومؤشّر كتلة الجسم (BMI)، إضافة إلى التّحقّق من وجود أيّ أمراض أو مشكلات صحّيّة أخرى.
هل تكفي الإبر وحدها؟
تؤكّد شقير أنّ “إبر التّنحيف لا تُعطي أفضل النّتائج بمفردها، بل يجب أن تترافق مع نظام غذائيّ صحّيّ ومتوازن وممارسة الرّياضة”. موضحة أنّ “تمارين المقاومة بشكل خاصّ تُساعد على الحفاظ على الكتلة العضليّة وزيادتها، ما يُقلّل من فقدان العضلات أثناء خسارة الدّهون، ويُساهم في تحسين تكوين الجسم بشكل صحّيّ”.
هل يعود الوزن بعد التّوقّف؟
توضح شقير أنّ “استعادة الوزن بعد إيقاف العلاج أمر ممكن، خصوصاً إذا عاد الشّخص إلى عاداته الغذائيّة السّابقة ولم يُحافظ على نمط حياة صحّيّ. لذلك تنصح بعدم إيقاف العلاج بشكل مفاجئ، بل تخفيف الجرعات تدريجيّاً وفق إشراف الطّبيب، مع الاستمرار في الالتزام بنظام غذائيّ متوازن والانتباه إلى كمّيّات النّشويّات والدّهون والسّكّريّات المستهلكة”.
وفي حال انقطاع إبر التّنحيف أو عدم القدرة على تحمّل تكلفتها المادّيّة، تلفت شقير أنّ التّوقّف عنها لا يُشكّل خطورة صحّيّة مباشرة، إلّا أنّه قد يؤدّي إلى عودة الوزن تدريجيّاً أو زيادة الشّهيّة بشكل ملحوظ. وتوصي بضرورة التّأكّد من مصدر شراء الإبر وجودتها، مستبعدةً حصول انقطاع لها في لبنان، كونها تُستخدم أساساً كعلاج لمرضى السّكّري.
أمّا في حال التّوقّف عن استخدامها، فتتمثّل الخطوات الأساسيّة بالحفاظ على نمط غذائيّ متوازن، عبر التّركيز على تناول البروتين، وإضافة الخضار إلى كلّ وجبة، وشرب كمّيّات كافية من المياه، مع الاعتدال في تناول النّشويّات والتّخفيف من الدّهون، إلى جانب ممارسة النّشاط البدنيّ بانتظام للمساعدة في الحفاظ على الوزن.
مخاطر الاستخدام العشوائيّ
تُحذّر شقير من استخدام إبر التّنحيف من دون إشراف طبّيّ بهدف خسارة بضعة كيلوغرامات فقط، لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى مضاعفات مثل الانخفاض الحادّ في سكّر الدّم، والتّعب الشّديد، وفقدان كبير في الكتلة العضليّة، ومشكلات في المرارة، إضافة إلى الجفاف، خصوصاً عند استخدام جرعات غير مناسبة أو زيادتها بسرعة دون تدرّج طبّيّ سليم.
وختاماً، تؤكّد شقير على أنّ إبر التّنحيف ليست حلّاً سحريّاً، بل هي أداة علاجيّة ضمن خطّة متكاملة تشمل التّغذية السّليمة، والنّشاط البدنيّ، والمتابعة الطبّيّة اللّصيقة للوصول إلى نتائج آمنة ومستدامة.
إقرأ أيضاً: كيف نحارب التوتّر السياسي… بالأكل؟