في مكّة المكرمة، لا في أي عاصمة أخرى، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك تعيد رسم موازين الردع في شرق أوسط أنهكته أوهام التوسّع والانتحار السياسي.
لماذا مكّة، لا الرياض ولا أنقرة؟
وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، الجمعة، “اتفاقية مكّة للدفاع المشترك”، خلال قمّة ثلاثية عُقدت في مكّة المكرمة. اختيار المكان لم يكن بروتوكوليًا، بل كان جزءًا من الرسالة نفسها: هذا ليس تحالف عاصمة سياسية تبحث عن نفوذ، بل تحالف يستمدّ شرعيته من المكان الذي تنبع منه شرعية العالم الإسلامي كلّه. من هنا، ومن هنا فقط، يمكن توقيع اتفاق يطمح إلى تمثيل “العقل السنّي الجامع”، لا مصلحة دولة بعينها.
مثلث القوة: الشرعية، القنبلة، العضوية
تختصر الدول الثلاث معادلة ردع نادرة التكامل: السعودية تملك المكانة الدينية والمالية التي تؤهّلها لقيادة أي تحالف إسلامي رسمي، وباكستان تملك السلاح النووي الوحيد في العالم الإسلامي، وتركيا تملك أكبر جيش تقليدي في حلف الناتو خارج الولايات المتحدة. وبحسب البيان الرسمي، ينصّ الاتفاق على أنّ أي هجوم مسلّح على إحدى الدول الثلاث يُعدّ هجومًا عليها جميعًا، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب المشترك. هذا التكامل الثلاثي، شرعية وقنبلة وعضوية أطلسية، لم يجتمع من قبل تحت توقيع واحد، وهو ما يمنح “اتفاق مكّة” وزنًا يتجاوز حجم أي طرف فيه منفردًا.
بين توسّعين: تل أبيب وطهران
يأتي الاتفاق في لحظة يشعر فيها كثيرون في المنطقة بأنهم محشورون بين مشروعين توسّعيين: توسّع إسرائيلي لا يعترف بحدود، وتوسّع إيراني عبر أذرع مذهبية أثبتت، من لبنان إلى اليمن، أنها تراهن بمصير شعوبها بلا حساب للنتائج. “اتفاق مكّة” يقدّم نفسه كبديل ثالث: تحالف دول وطنية، لا دول أيديولوجية أو مذهبية، تجتمع على حماية سيادتها لا على تصدير عقيدتها. وهذا بالتحديد ما صرّح به مسؤول تركي لوكالة رويترز حين أكّد أنّ الاتفاق “ليس موجّهًا ضد أي طرف”، في محاولة لتقديمه كمظلّة ردع دفاعية، لا كأداة استفزاز أو مغامرة.
ما الذي يتغيّر عمليًا؟
الاتفاق ليس مفاجئًا بالكامل؛ فالسعودية وباكستان ترتبطان أصلًا باتفاق دفاع مشترك أُعلن عنه في 2025، وكانت أنقرة تُجري منذ مطلع هذا العام محادثات للانضمام إليه. الجديد هو رسمنة المثلث الثلاثي بتوقيع علني في مكّة، وما يحمله من دلالة رمزية تتجاوز البند العسكري. عمليًا، يفتح الاتفاق الباب أمام تنسيق دفاعي وتدريبي وأمني أعمق بين ثلاث قوى إقليمية وازنة، لكنه يبقي، عن قصد أو عن غموض مدروس، الأسئلة الأكثر حساسية دون إجابة صريحة: هل تمتدّ المظلة النووية الباكستانية، ولو ضمنيًا، لتشمل الحليفين الآخرين؟
الأسئلة المفتوحة
“اتفاق مكّة” لا يحسم الحروب المذهبية والعبثية التي يغرق فيها هذا الشرق، لكنه يضع على الطاولة معادلة جديدة: أنّ الدول الوطنية العاقلة، حين تتفق، تملك من أوراق الردع ما لا تملكه أي مليشيا مهما ادّعت المقاومة. يبقى السؤال الأهم رهنًا بالتفاصيل التي لم يُعلن عنها بعد: كيف سيُترجم هذا التحالف الرمزي إلى آليات فعلية عند أول اختبار جدّي؟
إقرأ أيضاً: “زاير” UK : هل موّلت التبرعات البريطانية الحزب؟