تفتحُ الصين، عبر خبرتها المتراكمة في زراعة الفطر، باباً جديداً أمام الشرق الأوسط لتحقيق أمنه الغذائي وتنويع استثماراته الزراعية. فبين المزارع الذكية الصينية والموارد العربية المتاحة، تتشكّل ملامح شراكة اقتصادية واعدة قوامها التكنولوجيا ونقل المعرفة.
يشهد العالم اليوم تحولات كبرى في مفهوم الأمن الغذائي، إذ لم تعد الزراعة التقليدية وحدها قادرة على تلبية احتياجات المجتمعات المتزايدة، بل أصبحت التكنولوجيا الزراعية والصناعات الغذائية الحديثة من أهم أدوات التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. ومن بين القطاعات الزراعية التي أثبتت قدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية عالية، تبرز صناعة زراعة الفطر (المشروم) التي تحوّلت في الصين من نشاط زراعي محدود إلى صناعة متقدّمة تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار.
وتقدّم الصين نموذجاً متميزاً في هذا المجال، إذ استطاعت خلال العقود الماضية بناء منظومة متكاملة لإنتاج مختلف أنواع الفطر، بدءاً من تطوير سلالات الإنتاج وبذور الفطر، مروراً بإنشاء المزارع الذكية والمصانع الزراعية، وصولاً إلى التصنيع الغذائي والتصدير إلى الأسواق العالمية.
وانطلاقاً من أهمية هذه التجربة، يعمل مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية على برنامج متخصص لنقل التجربة الصينية في مجال زراعة الفطر، وتوطين التكنولوجيا المرتبطة بها في عدد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال مشاريع مشتركة تجمع بين الخبرة الصينية والاستثمارات العربية.
وقد دخل هذا البرنامج مرحلة متقدّمة من الدراسات والتحضير العملي، إذ يجري العمل على ترتيب هيكل الشركات والمشاريع المشتركة بين مستثمرين من الدول العربية المستهدفة ومستثمرين صينيين، بالتعاون مع مجموعة “جي سي آي للأعمال الدولية” (GCI International Business Group)، بهدف تأسيس شركات إنتاجية تعمل وفق نموذج الشراكة العربية الصينية.
التجربة الصينية: من الزراعة التقليدية إلى صناعة استراتيجية
تُعدّ الصين من أكبر دول العالم في إنتاج الفطر، وقد نجحت في تحويل هذا القطاع إلى صناعة اقتصادية متكاملة تستند إلى البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة. ولم يكن النجاح الصيني نتيجة توافر الموارد فقط، بل نتيجة اعتماد رؤية طويلة الأمد تقوم على دمج الزراعة بالتصنيع والابتكار.
فقد طوّرت الصين تقنيات متقدّمة للتحكّم بظروف الإنتاج، مثل أنظمة التحكّم بدرجات الحرارة والرطوبة، وتقنيات التعقيم، وإنتاج البيئات الزراعية المناسبة، واستخدام المخلفات الزراعية في تصنيع المواد اللازمة لنمو الفطر.
كما ساهم انتشار المزارع المغلقة والمصانع الزراعية الذكية في رفع الإنتاجية وتقليل تأثير الظروف المناخية، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط التي تواجه تحدّيات مرتبطة بالمياه والمناخ وارتفاع درجات الحرارة.
وتتميّز زراعة الفطر بأنّها لا تحتاج إلى مساحات زراعية واسعة مقارنة بالمحاصيل التقليدية، كما أنّها تعتمد بشكل كبير على إعادة تدوير المخلفات الزراعية مثل القش ونشارة الخشب وبعض المواد العضوية، ما يجعلها من الصناعات الزراعية الصديقة للبيئة.
أنواع الفطر التي تنتجها الصين
تتميّز صناعة الفطر في الصين بتنوّع كبير في الأصناف المنتَجة، إذ يُنتَج منها أنواع متعدّدة تلبي احتياجات الأسواق الغذائية والطبية والصناعية.
فطر الشيتاكي
يُعدّ فطر الشيتاكي من أشهر أنواع الفطر في الصين وشرق آسيا، وله قيمة اقتصادية وغذائية مرتفعة. ويُستخدم على نطاق واسع في المطابخ العالمية، كما يدخل في العديد من الصناعات الغذائية بسبب طعمه المميّز وخصائصه الغذائية. وقد طوّرت الصين تقنيات إنتاج واسعة لهذا النوع، سواء عبر الزراعة التقليدية على الأخشاب أو من خلال الأنظمة الحديثة داخل المنشآت المغلقة.
فطر المحار
يُعدّ فطر المحار من أكثر أنواع الفطر انتشاراً حول العالم، ويتميز بسرعة النمو وسهولة الإنتاج، ما يجعله مناسباً للمشاريع الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة والكبيرة. ومن أبرز مزايا هذا النوع إمكانية إنتاجه باستخدام مخلفات زراعية متوفرة محلياً، وهو ما يفتح فرصاً كبيرة أمام الدول العربية للاستفادة من مواردها المتاحة وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية.
الفطر الأبيض (Button Mushroom)
يُعدّ الفطر الأبيض، أو فطر الأجاريكوس، من أشهر الأنواع التجارية عالمياً، ويُستخدم بكثرة في المطاعم وصناعة الأغذية المعلّبة والمجمّدة. وتملك الصين خبرة واسعة في إنتاج هذا النوع عبر منشآت حديثة تعتمد على التحكّم الكامل ببيئة الإنتاج، ما يضمن جودة عالية واستمرارية في التوريد إلى الأسواق.
الفطر الأسود (Wood Ear Mushroom)
الفطر الأسود، المعروف أيضاً باسم فطر الأذن الخشبية، من الأنواع التقليدية المهمة في الصين، وله حضور واسع في المطبخ الآسيوي. ويتميّز هذا النوع بقدرته على النمو في بيئات مختلفة، كما أنّ الطلب عليه يتزايد في الأسواق العالمية بسبب استخداماته الغذائية وقيمته الصحية.
عش الغراب
يحظى عش الغراب باهتمام متزايد في الأسواق العالمية، لما يتميّز به من قيمة غذائية ومذاق خاص، إضافة إلى إمكانية استخدامه في العديد من المنتجات الغذائية. وقد طوّرت الصين تقنيات خاصّة لإنتاج أنواع متعددة من الفطر، بما فيها الأنواع ذات القيمة العالية، من خلال البحث العلمي والتطوير المستمر.
الفطر الطبي
إلى جانب الأنواع الغذائية، أصبحت الصين من الدول الرائدة في إنتاج أنواع الفطر الطبي، مثل فطر الريشي وغيره من الأنواع التي تدخل في الصناعات الصحية والبحثية. ويمثل هذا المجال فرصة استثمارية مهمة، لا سيما مع نمو الطلب العالمي على المنتجات الطبيعية والمكملات الغذائية القائمة على المكونات النباتية.
لماذا نقل التجربة الصينية إلى الشرق الأوسط؟
يمتلك الشرق الأوسط مقوّمات مهمة لإنشاء صناعة فطر حديثة، فالمنطقة تتمتع بأسواق استهلاكية كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي، ووجود مستثمرين يبحثون عن قطاعات إنتاجية جديدة.
كما أنّ العديد من الدول العربية تواجه تحديات تتعلّق بالأمن الغذائي، ما يجعل الاستثمار في تقنيات زراعية حديثة ضرورة لا خياراً ثانوياً.
وتتميز زراعة الفطر بأنّها تتناسب مع الظروف البيئية في المنطقة، لأنها يمكن أن تتم داخل منشآت مغلقة لا تعتمد على مساحات زراعية كبيرة، كما أنّها تستهلك كميات قليلة نسبياً من المياه مقارنة بالعديد من المحاصيل التقليدية.
ومن هنا تأتي أهمية الاستفادة من التجربة الصينية التي لا تقتصر على نقل المعدات أو خطوط الإنتاج فقط، بل تشمل نقل المعرفة والخبرة وأساليب الإدارة والتسويق، وبناء سلسلة صناعية متكاملة.
برنامج مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية
يقوم برنامج مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية على رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء شراكات اقتصادية حقيقية بين الصين والدول العربية، من خلال مشاريع إنتاجية مشتركة تحقق مصالح جميع الأطراف.
ويستهدف البرنامج عدداً من الدول العربية، من بينها:
المملكة العربية السعودية
لبنان
سوريا
العراق
الجزائر
الأردن
ويجري العمل على إعداد الدراسات الخاصّة بكل سوق، وتحديد الفرص الاستثمارية المناسبة، ودراسة طبيعة الإنتاج والاستهلاك المحلي وإمكانات التصدير.
ولا يهدف البرنامج إلى إقامة مزارع فطر فحسب، بل إلى إنشاء منظومة صناعية تشمل:
مزارع إنتاج حديثة
مصانع تجهيز وتصنيع
وحدات تعبئة وتغليف
مراكز تدريب ونقل خبرة
خطوط إنتاج للمنتجات الغذائية والطبية المرتبطة بالفطر
شركات عربية صينية باستثمارات مشتركة
دخل البرنامج حالياً مرحلة الدراسات العملية والعمل على ترتيب الشركات الاستثمارية التي ستضم مستثمرين من الدول العربية المعنية ومستثمرين صينيين متخصصين.
ويقوم النموذج المقترح على تأسيس شركات مشتركة يكون فيها الجانب الصيني شريكاً في نقل التكنولوجيا والخبرة الفنية والتجهيزات، بينما يساهم المستثمرون العرب بالخبرات المحلية ورأس المال ومعرفة الأسواق.
كما يهدف البرنامج إلى إشراك القطاع الخاص العربي في صناعة جديدة قادرة على النمو، بدلاً من الاعتماد على الاستيراد فقط، بحيث تصبح الدول المشاركة مراكز إنتاج إقليمية للفطر ومنتجاته.
ويأتي التعاون مع مجموعة جي سي آي للأعمال الدولية ضمن هذا الإطار، بهدف تسهيل التواصل بين المستثمرين والشركات، ودعم بناء شراكات اقتصادية فعالة بين الصين والمنطقة العربية.
لبنان ودوره في المشروع
يمتلك لبنان فرصاً مهمة للمشاركة في هذا المشروع، نظراً لما يتمتع به من خبرات زراعية، وقطاع غذائي نشط، وموقع يمكن أن يجعله منصة للتوزيع نحو عدد من الأسواق.
كما يمكن أن يشكّل المشروع فرصة لإعادة تنشيط الصناعات الزراعية وخلق فرص عمل جديدة للشباب، خصوصاً في المناطق الريفية.
ومن خلال التعاون مع الخبرة الصينية، يمكن تطوير نماذج إنتاج حديثة تتناسب مع طبيعة السوق اللبنانية، وتفتح المجال أمام تصدير منتجات ذات قيمة مضافة.
نحو شراكة تنموية عربية صينية جديدة
إنّ نقل تجربة زراعة الفطر الصينية إلى الشرق الأوسط لا يمثل مجرد مشروع زراعي، بل هو نموذج للتعاون الاقتصادي القائم على التكنولوجيا والاستثمار والتنمية المشتركة.
فالصين تمتلك خبرات واسعة في تطوير الصناعات الزراعية، بينما تمتلك الدول العربية أسواقاً واعدة وموارد بشرية وفرصاً استثمارية كبيرة.
ومن خلال بناء شراكات حقيقية، يمكن تحويل هذا القطاع إلى صناعة إقليمية توفر الغذاء وفرص العمل وتدعم الاقتصاد المحلي.
وستشهد المرحلة المقبلة انتقال البرنامج من مرحلة الدراسات والتخطيط إلى مرحلة تأسيس الشركات وتنفيذ المشاريع، بما يفتح الباب أمام تعاون جديد بين الصين والدول العربية يقوم على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتحقيق التنمية المستدامة.
وقد تبدو زراعة الفطر للوهلة الأولى قطاعاً زراعياً صغيراً، لكنها في التجربة الصينية أصبحت صناعة متقدمة تجمع بين الزراعة والتكنولوجيا والغذاء والاقتصاد. وتمثل هذه التجربة فرصة حقيقية أمام الشرق الأوسط لبناء قطاع جديد يساهم في تعزيز الأمن الغذائي وخلق استثمارات مستقبلية واعدة.
إقرأ أيضاً: “اتفاق مكّة”: دول عاقلة بوجه إيران وإسرائيل