تخيّل أن تتساقط من السماء نِدَفُ لوزٍ مغطّاة بالسكّر بدل الثلج. أن تُثمر الأشجار عملاتٍ ذهبية حقيقية، وأن يتحوّل بَيْضُ النعام الملوَّن إلى أحواض استحمام. أن تمشي في البلاد عملاقةٌ اسمها فيوليت، تتحدّى المربّيات والجاذبية الأرضية بالقدر نفسه من اللامبالاة، وتبني لنفسها كوخًا سحريًّا في الريف الإنكليزي، ثم تعبر إلى اليابان لتروّض وحشًا بحريًّا مكسوًّا بحراشف فضّية.
ثم تخيّل أن كاتبة هذا كلّه هي فرجينيا وولف.
نعم، صاحبة “السيدة دالُواي” و”إلى المنارة”، الاسم الذي صار يرتبط بشكل وثيقٍ بالجُمَل التي تحبس الأنفاس، وتيّار الوعي. الكاتبة التي قرأناها دائمًا ونحن نحبس ضحكنا احترامًا، اتّضح أنها كتبت، قبل روايتها الأولى بسنوات، ثلاث قصصٍ تُضحك بصوتٍ عالٍ ولا تكتفي بأن تكون طريفة. هذا هو كتاب “حياة فيوليت”، وهو أقرب ما وصلنا إلى معجزةٍ أدبية: عملٌ مكتملٌ لواحدة من أعظم كتّاب القرن العشرين، يصل إلى القرّاء كاملًا للمرة الأولى بعد أكثر من قرنٍ على كتابته.
ينبغي أن ندرك ندرة ما يحدث هنا. لا تُضاف إلى متن كاتبةٍ بهذا الحجم أعمالٌ جديدة إلا نادرًا، وحين يحدث فغالبًا ما يكون المُكتشَف شذرةً أو مسوّدة ناقصة أو تمرينًا مدرسيًّا لا يضيف شيئًا. أما هنا فنحن أمام نصٍّ نقّحته وولف بنفسها جملةً جملة، وأرسلته إلى ناسخٍ محترف، أي أنها أنهته وأرادته على هيئته هذه. المحرّرة أورميلا سيشاغيري تصفه بأنه أول تجربة أدبية مكتملة في حياة فرجينيا وولف الشابّة. ما كنّا نظنّه فراغًا في سيرتها الأدبية، اتّضح أنه كان غرفةً مغلقةً فُتح بابها الآن.
حين يصير الضحك محرّك السرد
والقصص الثلاث، “معرض الصداقات” و”الحديقة السحرية” و”قصةٌ تدفعك إلى النوم”، سيرةٌ هزلية متخيَّلة لامرأةٍ حقيقية. تقرأها فتجد وولف تُطلق خيالها بلا فرامل. لكن سرعان ما تنتبه إلى أن الهزل ليس هزلًا فحسب. الضحك في هذا الكتاب هو المحرّك، وليس زينةً على الحواف. ففي كل فصلٍ يقلب الضحك مصير الشخصيات، ويعرّيها من تظاهرها أكثر مما تفعل أي ملاحظةٍ ساخرة من الراوي. وهذا الراوي نفسه من أطرف اختراعات وولف. رجلٌ مجهول الاسم من الطبقة العاملة، يعيش في عليّة، ويصرّ في كل صفحة على أنه “مؤرّخ صادق” وأن ما يكتبه سجلٌّ رصين لا رواية، ثم يعتذر عن ملحقٍ يحيل إليه القارئ مرارًا… لكنه “مفقود”.
المرأة التي استحقّت سيرةً هزلية
خلف هذا المرح ثمة مشروع. بهذا الصوت المتهكّم تناهض وولف الشابة أطروحة توماس كارلايل الشهيرة بأن تاريخ العالم ليس سوى سِيَر الرجال العظماء، وتقترح بدلًا منها فكرةً ستقضي بقية حياتها في اختبارها، وهي أن إعادة ابتكار الشكل الأدبي هي إعادة فهمٍ لحياة النساء. ويكتسب هذا التحدّي طرافةً إضافية حين نتذكّر أنّ والدها ليزلي ستيفن، الذي رحل قبل كتابة هذه القصص بثلاث سنوات، كان المحرّر المؤسِّس لقاموس السير الوطنية، ذلك المشروع الضخم الذي جسّد فكرة كارلايل عمليًّا وحدّد مَن يستحقّ أن يُذكر في التاريخ ومَن لا يستحقّ؛ أي أنّ الابنة كانت تعبث، ضاحكةً، بالشكل الأدبي الذي أفنى أبوها عمره في بنائه. وفي حوارٍ عابر بين امرأتين، ترد أمنية أن يكون للمرء كوخه الخاص وهي البذرة الأولى لأشهر عبارةٍ نسوية في القرن العشرين: A Room of One’s Own )غرفة تخصّ المرء وحده(، التي ستكتبها وولف بعد عشرين عامًا.
من هي فيوليت هذه التي استحقّت كل هذا؟ فيوليت دِكنسن (1865–1948) امرأةٌ استثنائية بكل مقياسٍ فيكتوري: يفوق طولها ستة أقدام، لم تتزوّج قط، وتكبر فرجينيا بسبعة عشر عامًا. التقتا حين كانت وولف في العشرين، فأطلقت عليها في يومياتها لقب “العمّة ماريا”، ثم سارعت إلى الاعتراف بأن هذه العمّة تجسّد كل ما لا ينبغي أن تكونه عمّةٌ اسمها ماريا. في مشهدٍ لا يُنسى تصفه وولف، تقطع مطاردة غزلانٍ الطريق على عربة فيوليت، فتدفع الأخيرة أجرة الحوذي، وتأمره بإيصال صندوقها إلى البيت، وتشمّر عن تنّورتها وتركض خلف الكلاب.
فيوليت دِكنسن: المرأة خلف الكتاب
لم تكن مجرّد شخصية طريفة. حين انهارت وولف عصبيًّا عام 1904 بعد وفاة والدها، نقهت في كوخ فيوليت تحت رعايتها. وفي العام نفسه، فتحت لها فيوليت باب النشر الأول في حياتها. أكثر من نصف الرسائل في المجلد الأول من رسائل وولف موجّهٌ إليها. أي أن الكتاب الذي بين أيدينا ما هو إلا ردّ دينٍ قديم. هذه امرأةٌ من دونها ربما لم تكن لتصير فرجينيا وولف كما نعرفها، وقد ظلّت في هوامش السرديات الأكاديمية عقودًا، حتى أعاد هذا الكتاب وضعها في المتن. واللافت أن العمل تعاونيّ إلى حدٍّ نادر. فتعديلات فيوليت بالقلم الرصاص ما زالت على المخطوط، وقد تبنّت وولف عددًا منها.
أما كيف وصلنا الكتاب فقصةٌ تستحق أن تُروى بسرعة. باحثةٌ تفتّش عن شيء آخر تمامًا في أرشيفٍ إنكليزي، وسؤالٌ عابر، وردٌّ من بيتٍ ريفي في ويلتشير يقول إن لديهم مخطوطًا بخط وولف لم يسمع به أحد. سنواتٌ من الانتظار بين قوانين حقوق النشر وجائحةٍ أوقفت السفر، ثم علبةٌ كريميّة اللون تُفتح أخيرًا. لعقودٍ طويلة، كان الباحثون يظنّون أن هذه القصص مسوّدةٌ خام تخلّت عنها وولف، وكانت النسخة المصقولة تنام على بعد أمتارٍ من أعينهم، بين أوراق صديقةٍ لم يفكّر أحدٌ في التفتيش عندها.
الوجه الآخر: القاهرة ويابانٌ متخيَّلة
ولن يكون إنصافًا للكتاب أن نقدّمه بوصفه نزهةً خالصة. القصة الثالثة تنبع من رحلةٍ بحرية حول العالم قامت بها فيوليت عام 1905 وانتهت في القاهرة، ضيفةً على اللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، بين جولاتٍ في المدينة والأهرامات. ووولف، التي لم تطأ اليابان يومًا، تخترع يابانها من صور الاستشراق المتداولة في زمنها لأسماء مركّبة من مقاطع مكرّرة، وهوامش تدّعي ترجمتها وهي لا تقابل معنًى فعليًّا. المحرّرة لا تعتذر عن ذلك ولا تخفيه، إنما تضعه إلى
جوار حقيقةٍ أخرى هي أن ثروة عائلة دِكنسن جُمعت من تجارة الرقيق ومزارع السكر في جامايكا. وهكذا يصل إلينا الكتاب مزدوجًا، نصًّا نسويًّا مبكرًا يسخر من كل ما يقيّد النساء، وشهادةً في الوقت نفسه على الإمبراطورية التي كُتب داخلها. وهذا الازدواج، لا التبرير، هو ما يجعله قراءةً حيّة اليوم.
كاتبةٌ ما زالت تفاجئنا
هذه القصص ليست نسخةً باهتة مما سترسمه وولف لاحقًا بألوانٍ أغنى، لأنه دليل على أن مشروعها بدأ من البداية بالتزامٍ نسوي وروح دعابة وعزمٍ على بثّ حياةٍ جديدة في الأشكال الأدبية. قصصٌ تُقرأ في أمسيةٍ واحدة، وتترك انطباعًا يدوم أطول من ذلك بكثير. هي كاتبةً نعرف عنها كل شيء تقريبًا، وما زالت قادرة على مفاجأتنا.
الجملة الأولى في الكتاب تسأل قارئها: “هل بوسع فرجينيا وولف أن تجعلنا ننفجر ضاحكين؟”.. لا بدّ من قراءة هذا الكتاب لمعرفة الجواب.
إقرأ أيضاً: دكتور فود وشروق: اقتصاد الخلافات الزوجية وأرباح الفضيحة