معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

صور الحزب تختفي من البقاع… ماذا تغيّر؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

قبل أيام، وأنا في طريقي من زحلة إلى بعلبك، مروراً برياق وتمنين وسرعين وبدنايل… وصولاً إلى دورس ومقنة، ثمة شيء غير مألوف على الطريق. صور أقل. لافتات أقل. حضور سياسي كان يملأ الحيّز العام لسنوات… لكنه انكفأ فجأة.

 

لا صور قادة يشجعون ثقافة الموت على الحياة، بالحجم الذي اعتاده العابرون، ولا مشهد بصري كثيف للشهداء كما في السابق. باستثناء صور يتيمة لبعض الشهداء وللأمين العام السابق لـ”الحزب” السيد حسن نصرالله، تبدو الطريق مختلفة، حتى يكاد المرء يسأل، هل مرّت عاصفة “وعي سياسي” في البقاع، أم أن وراء اختفاء الصور قصة أخرى؟

الصورة وحدها لا تكفي لإعلان انقلاب في المزاج الشعبي، وإزالة اللافتة لا تعني بالضرورة تبدّل الولاء. لكن في منطقة لطالما شكّل فيها الحيّز العام إحدى وسائل التعبير عن النفوذ السياسي، يصبح انحسار هذا الحضور ظاهرة تستحق أن نقف عندها.

أين ذهبت الصور؟ ومن أزالها؟ والأهم لماذا؟
يربط بعض أهالي المنطقة هذا المشهد بحالة امتعاض متزايدة من قانون العفو العام، الذي لم يأتِ، بالنسبة إليهم، على قدر الوعود والانتظارات البقاعية.
فالقانون استثنى مكرري الجرائم وكبار مروجي ومهربي المخدرات، واقتصر على المتعاطين وبعض غير المكررين، وهو ما يعتبره معترضون بعيداً عن “العفو الشامل” الذي انتظروه.
وبالنسبة إلى هؤلاء، القضية لا تتعلق فقط بالمحكومين، بل بآلاف الشبان الذين يقولون إنهم ما زالوا عالقين بين وثائق اتصال ومذكرات وملاحقات قديمة، بما يحرم المنطقة مما كانوا يأملون أن يكون بمثابة “تصفير للعداد” القضائي، يفتح الباب أمام معالجة اجتماعية وتنموية لملف عمره سنوات. وهنا يُوجّه جزء من العتب مباشرة إلى “الحزب”.

بين الامتعاض وإدارة المخاطر
ففي نظر بعض الأهالي، أعطى البقاع “الحزب” الكثير، أصواتاً انتخابية، نفوذاً سياسياً، وقبل كل شيء خزّاناً بشرياً في حروبه ومعاركه ومغامراته داخل الحدود وخارجها. وكان المنتظر، بحسب هؤلاء، أن يتحول هذا الوزن إلى قدرة سياسية أكبر على معالجة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى أبناء المنطقة.
لكن النتيجة، برأيهم، جاءت أقل بكثير من المتوقع.
فمن وجهة نظرهم، حصلت القوى المسيحية على معالجة لملف الفارين إلى إسرائيل، ونالت البيئة السنية جزءاً من مطالبها المرتبطة بالموقوفين الإسلاميين وتخفيض بعض العقوبات، فيما بقيت الملفات التي تعني شريحة واسعة من أبناء البقاع محاطة باستثناءات وشروط حدّت من الاستفادة منها.
وهذه قراءة يتبناها معترضون على القانون، وليست وحدها بالضرورة تفسيراً لما يحدث في الشارع البقاعي. فثمة من يذهب أبعد بكثير من ملف العفو.

فهل تغيّر شيء في البيئة؟
يتحدث بعض الأهالي عن “استفاقة” فعلية بدأت تظهر ملامحها بعد التحولات الكبرى التي شهدها لبنان والمنطقة.
تجار وأصحاب مؤسسات ومتمولون ووجهاء البقاع اعتادوا، في مراحل سابقة، التعبير علناً عن قربهم من “الحزب”، وولائهم له من خلال الصور واللافتات والمظاهر السياسية، فما تفسير هذا الانكفاء؟
هل هو امتعاض سياسي ورسالة صامتة إلى “الحزب” بأنه بات مطالباً بإعادة النظر في خياراته وحساباته؟
أم أن ما يجري أكثر براغماتية من ذلك، وأن أصحاب المصالح والأموال يخشون ببساطة من أن تتحول صور القادة والشعارات الحزبية إلى عبء عليهم في مرحلة أمنية وعسكرية شديدة الحساسية؟ وذلك في ظل ما يشهده الجنوب اللبناني من دمار ونزوح واحتلال إسرائيلي لبلدات وقرى ما بعد “النصر”. فبالنسبة إلى أبناء البقاع، لم يعد سيناريو انتقال المواجهة إلى منطقتهم مجرد فرضية بعيدة، وخصوصاً إذا دخل لبنان في حرب جديدة أوسع. وهنا قد لا تكون إزالة الصورة موقفاً سياسياً بقدر ما هي إدارة للخطر.

بين الغضب من العفو والخوف من الحرب واحتمال تبدّل المزاج السياسي، النتيجة واحدة على الطريق البقاعي، حضور “الحزب” البصري في أجزاء واسعة من البقاع لم يعد كما كان. لكن سيكون من المبكر اعتبار ذلك دليلاً على خسارته بيئته.
فالنفوذ السياسي لا يُقاس بعدد الصور المرفوعة وحدها، كما أن البيئة التي تشكلت على مدى عقود لا تنقلب بإزالة لافتة. إلا أن اللافت في المشهد الجديد هو أن التعبير العلني عن الولاء نفسه يبدو أقل اندفاعاً من السابق.

حماسة أقل لثقافة الموت
فهل انتهى نفوذ “الحزب” في البقاع؟ لا معطيات تسمح بهذا الاستنتاج حتى الآن. لكن الأكيد أن هناك من لا يريد إظهار هذا النفوذ بالطريقة نفسها بعد الآن. وبين من يقول إن “الحزب” لم يردّ للبقاع عطاياه، ومن يخشى أن يدفع البقاع ثمن حرب جديدة كما دفع الجنوب، ومن يرى أن المنطقة بدأت ببساطة تعيد حساباتها بعد سنوات من الاصطفاف، يبقى الطريق من زحلة إلى بعلبك شاهداً على تغيير بصري يصعب تجاهله.
قد تكون الصور اختفت فقط. وقد يكون اختفى معها شيء من الحماسة القديمة.
أما معرفة ما إذا كان ذلك امتعاضاً عابراً أم بداية تحوّل سياسي أعمق، فتحتاج إلى أكثر من طريق خالية من الصور الصفراء… لكنها ربما، تبدأ منه.

 

إقرأ أيضاً: الحزب يواجه أسوأ أزمة مالية في تاريخه…