معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

علي الطاهر: أرض لبنانية وقرارها إيراني؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

تلّة حدودية واحدة تختصر أزمة لبنان بأكملها: جيش يُطالَب بالسيادة، وسلاح يأتمر بحسابات إقليمية، ونائب يبشّر بـ”نور” قادم من إيران بدل انتظار قرار من بيروت.

 

عرضٌ يُرفض ونفيٌ يتبعه

في تلّة استراتيجية تطلّ على جنوب لبنان، تتكشّف اليوم واحدة من أوضح الصور على مأزق لبنان المزمن: دولة تُطالَب بفرض سيادتها على كامل أراضيها، وسلاح لا يزال يخضع لحسابات خارج الحدود اللبنانية.

فبحسب مصدر دبلوماسي غربي مطّلع تحدّث لـLBCI، عرض حزب الله في وقت سابق من هذا الأسبوع تسليم منطقة علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، في ظل تراجع قدرته على الإمساك بها وسعيه إلى استعادة عناصره ومعدّاته الموجودة هناك. غير أن إسرائيل رفضت هذا الطرح، وفق المصدر نفسه، ما دفع الحزب لاحقاً إلى نفي حصول العرض أساساً عبر عدد من نوّابه، مع التأكيد أن عناصره لن تغادر المنطقة تحت أي ظرف.

نور على نور” من طهران

الأخطر في هذا الموقف لم يأتِ من التفاصيل الميدانية، بل من تصريح النائب حسن عزّ الدين نفسه، الذي وصف علي الطاهر بأنها من المواقع الأساسية للمقاومة التي لن تتخلّى عنها، معتبراً أن ما يُعرف باتفاق الإطار وُلد ميتاً ولا يساوي شيئاً. لكن الجملة الأكثر دلالة في تصريحه جاءت حين تحدّث عن احتمال الحرب الموسّعة، فقال إنه في حال أتت المساعدة من إيران، فإن ذلك سيكون نوراً على نور. عبارة تختصر بدقة إلى أين تتّجه بوصلة الولاء الفعلية: نحو طهران، لا نحو بيروت.

وجود عسكري إيراني مباشر على الأرض

هذا الانحياز لا ينفصل عن الواقع الميداني الذي كشفته مصادر مقرّبة من الحزب لصحف محلية، والقائل بأن أكثر من مئة عنصر من الحزب والحرس الثوري الإيراني ما زالوا متمركزين داخل التلّة، مع خطوط إمداد مستمرة وإن لم تكن دائمة. فالحديث هنا ليس عن مقاومة محلية تدافع عن أرضها فحسب، بل عن وجود مباشر لذراع عسكرية إيرانية داخل الأراضي اللبنانية، يتقاسم القرار مع حزب الله في موقع يُفترض أن يكون خاضعاً حصراً لسلطة الدولة وجيشها الشرعي.

تبرير لا يصمد أمام الوقائع

حاول الحزب، عبر مصادر مقرّبة نقلتها صحيفة البناء، تلطيف الصورة بالحديث عن تسليمه سابقاً أكثر من منشأة وموقع وسلاح للجيش خلال الأشهر الماضية، وتبرير موقفه الحالي بغياب الثقة بالسلطة اللبنانية. لكن هذا التبرير لا يصمد أمام وقائع أبسط: فحين تتقاطع مصلحة “الثقة” مع مصلحة إسرائيل في إبقاء الموقع مشتعلاً كما أشارت المصادر الدبلوماسية، وحين يُربط رفض التسليم صراحة بانتظار “نور من إيران”، يتحوّل الخطاب عن السيادة إلى غطاء لواقع أعمق: قرار البقاء في علي الطاهر ليس قراراً لبنانياً بامتياز، بل امتداد لحسابات محور إقليمي تقوده طهران.

سيادة معلَّقة وكلفة يدفعها اللبنانيون وحدهم

النتيجة أن الجيش اللبناني، المؤسسة الدستورية الوحيدة المخوَّلة بحمل السلاح شرعاً، يقف عاجزاً عن بسط سلطته على جزء من أرضه، لا بفعل عدوّ خارجي فقط، بل بفعل تنظيم محلي يضع ولاءه العقائدي والإقليمي فوق أي التزام بمسار حصر السلاح الذي تعهّدت به الدولة اللبنانية أمام شعبها والمجتمع الدولي.

الكلفة الحقيقية لهذا الواقع يدفعها اللبنانيون وحدهم: جنوب مهدَّد بجولة تصعيد جديدة، ودولة تُستنزف شرعيتها كل يوم أمام العالم بسبب سلاح لا تملك القرار بشأنه. وطالما بقيت جملة كـ”نور على نور” من إيران حاضرة في خطاب من يُفترض أن يكون مقاومة وطنية، فإن السؤال الحقيقي لن يكون عن مصير تلّة حدودية واحدة، بل عن مصير قرار لبنان نفسه: هل هو بيد أبنائه، أم بيد من يمدّهم بالنور من طهران؟