معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

مسرحية هرمز: إيران تكذب على نفسها قبل العالم

المساعدة البصرية: حجم الخط

في مضيق هرمز، لا تشتبك إيران مع خصومها بقدر ما تشتبك مع نفسها، محاولةً إقناع العالم بأن العجز قوة، وأنّ الحصار اختيار..

 

سردية الوهم القديمة

منذ عقود، ورث محور المقاومة صناعة وهمية واحدة يتقنها أكثر من أي سلاح حقيقي في ترسانته: صناعة الخطاب. فحين تعجز طهران عن فرض إرادتها على الأرض، تلجأ إلى فرضها على اللغة، فتتحول العبارات إلى بديل عن القدرة، والتهديد إلى بديل عن الفعل. وما مضيق هرمز اليوم إلا أحدث فصول هذه المسرحية المتكررة، حيث تتقن طهران وأبواقها في بيروت وصنعاء وبغداد ترديد جملة واحدة يعرفون كذبها: “نفتح هرمز أو نغلقه”.
الحقيقة التي يتهرب منها محور الممانعة، والتي لا تحتاج إلى تحليل استخباراتي معقّد بل إلى نظرة على خرائط الملاحة نفسها، هي أنّ هرمز مفتوح، وسيبقى مفتوحاً، بصرف النظر عن رغبات الملالي. تمر عبره السفن يومياً، وإن بأعداد أقل من المعتاد، وبكلفة تأمين أعلى بسبب مخاطر الحرب التي تصنعها إيران نفسها. لكن هذا التراجع في الحركة الملاحية ليس دليلَ قوة إيرانية كما يروَّج له في الإعلام الموالي لطهران، بل هو بالضبط عكس ذلك: إنه الدليل الأوضح على أنّ إيران باتت عاجزة عن استخدام هذا الممر بلا قيود تحت وطأة الحصار والضغط الأميركيَّين.

آلية الخديعة الإيرانية

هنا يكمن جوهر الخديعة التي يتقنها محور إيران: تحويل عجزه الذاتي إلى تهديد موجّه للآخرين. فحين لا تستطيع طهران أن تُبحر بأمان في مياهها الإقليمية، تُقنع جمهورها وأتباعها في المنطقة بأنها هي من “تتحكّم” بمصير الملاحة الدولية. وهذا النمط ليس جديداً على من عرف تاريخ هذا المحور: فالوكلاء أنفسهم، من ميليشيا حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، اعتادوا الخطاب ذاته: تصوير الهزيمة انتصاراً، والحصار قوّة، والعزلة صموداً.
والأخطر من كذب طهران هو أنّ جزءاً واسعاً من التحليلات والتعليقات، حتّى في أوساط عربية، يستعير اللغة الإيرانية نفسها دون وعي، فيتحدّث عن “فتح” المضيق أو “إغلاقه” وكأنّ القرار بيد إيران فعلاً. هذا الانزلاق اللغوي ليس تفصيلاً بسيطاً، بل هو انتصار استراتيجي مجاني تقدمه بعض وسائل الإعلام ومنصات التحليل لطهران دون أن تدرك ذلك، إذ تتحوّل السردية الكاذبة إلى واقع متداول بمجرد تكرارها.

نهاية الأسطورة

آن الأوان لتفكيك هذه الأسطورة بالوضوح ذاته الذي بُنيت به. إيران لا تملك مفتاح هرمز، ولم تملكه يوماً، وما تملكه فعلاً هو قدرة محدودة على المضايقة والاستفزاز، ثمنها ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتوتر عابر لا يغيّر موازين القوى. أمّا العالم، فسيستمر في الإبحار عبر هرمز، بينما تبقى طهران حبيسة سردية صنعتها لتخدير جمهورها الداخلي، قبل أن تكتشف أنّ أحداً في الخارج لم يعد يصدقها.
فحين تُختزل قوّة دولة في قدرتها على الكذب بثقة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع إيران إغلاق هرمز؟ بل: إلى متى سيستمر العالم، وبعض العرب معه، في تصديق أن السؤال نفسه له معنى؟

 

إقرأ أيضاً: العلاقات الأردنية الصينية.. رصيد من الثقة وآفاق من التعاون