من التجارة والاستثمار إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه، تتوسّع مساحات التعاون بين عمّان وبكين وتشكّل خطوة جديدة نحو التعمّق، فيما تعتبر زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين محطة مفصلية في هذا المسار…
عالم متغيّر وشراكة تتجذّر
في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وتعيد فيه الدول صياغة أولوياتها وشراكاتها بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة، تبرز العلاقات الأردنية الصينية نموذجاً لعلاقة تطورت بهدوء وثبات، وانتقلت خلال عقود من التواصل الدبلوماسي إلى شراكة استراتيجية متعدّدة الأبعاد.
ولا ترتبط أهمية هذه العلاقة اليوم بما تحقّق فيها من تعاون اقتصادي وسياسي وثقافي فحسب، بل بما تتيحه المرحلة المقبلة من إمكانات جديدة أمام عمّان وبكين. فالعالم يتغيّر، وآسيا تزداد حضوراً في الاقتصاد العالمي، والصين تواصل توسيع شراكاتها مع الدول العربية، فيما تبحث دول المنطقة عن مساحات أوسع للتعاون والتنمية والاستثمار والتكنولوجيا. وفي هذا المشهد، يدخل الأردن والصين العقد الثاني من شراكتهما الاستراتيجية برصيد متراكم من الثقة والتفاهم، وبفرص يمكن البناء عليها لتطوير العلاقة في مجالات أكثر تنوعاً وارتباطاً بأولويات التنمية.
من التأسيس إلى الشراكة الاستراتيجية
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والصين عام 1977، حافظ البلدان على مسار متدرج ومستقر في تطوير علاقاتهما، إلى أن وصلت هذه المسيرة إلى محطة مهمة عام 2015 مع إعلان الشراكة الاستراتيجية. وكانت تلك الخطوة تعبيراً عن تطوّر طبيعي في العلاقات، رسّخ إطاراً أوسع للتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية.
وخلال السنوات التي تلت ذلك، توسعت العلاقة لتشمل قطاعات متعددة، من التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية، إلى التعليم والصحة والثقافة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
العقد الثاني: من الاتساع إلى العمق
مع دخول الشراكة عقدها الثاني، تبدو أمام البلدين فرصة للانتقال من مرحلة توسيع مجالات التعاون إلى مرحلة تعميقها، بحيث تصبح العلاقة أكثر ارتباطاً بالتنمية والابتكار والاستثمار والمعرفة. وهنا تكمن أهمية المرحلة الجديدة، إذ لا تتطور العلاقات بين الدول من خلال الاتفاقيات وحدها، وإنّما من خلال القدرة على تحويل التفاهم السياسي إلى تعاون مؤسسي، وتحويل فرص التعاون إلى مشروعات، وربط العلاقات الحكومية بمصالح القطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمجتمعات.
وفي الحالة الأردنية الصينية، تتوافر قاعدة واسعة يمكن البناء عليها.
الاقتصاد: رصيد متنامٍ من التبادل والاستثمار
أصبحت الصين شريكاً اقتصادياً مهمّاً للأردن، وتوسعت الاستثمارات والتبادلات التجارية بين البلدين، فيما برزت خلال السنوات الماضية مجالات جديدة للتعاون في الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. ولا تتوقّف أهمية هذا التطور عند حجمه الاقتصادي، بل تتجاوزه إلى ما يمكن أن يتيحه من فرص جديدة في المرحلة المقبلة.
فالأردن يمتلك خبرات ومقومات في قطاعات مثل التعدين والأسمدة والصناعات الغذائية والدوائية والطاقة والسياحة والخدمات، بينما تمتلك الصين خبرة واسعة في التصنيع والتكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة الحديثة والاقتصاد الرقمي. وعندما تلتقي هذه الإمكانات، تتسع مساحة التعاون لتتجاوز مجرد التبادل التجاري، فتتحوّل إلى شراكات استثمارية ومشروعات إنتاجية وتبادل للخبرات وتطوير للمهارات وفتح لأسواق جديدة، وربط الشركات والمؤسسات في البلدين بشبكات اقتصادية أوسع.
وهذا أحد أهم ملامح العقد الثاني من الشراكة، فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى مزيد من التعاون، وإنما إلى تعاون أكثر تنوعاً وارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي والتنمية المستدامة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: بُعد جديد للعلاقة
تبرز التكنولوجيا باعتبارها أحد أهم المجالات التي يمكن أن تمنح العلاقات الأردنية الصينية بعداً جديداً. فالصين حققت تقدماً كبيراً في الذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة، والاتصالات، والتصنيع المتقدم، والاقتصاد الرقمي، والمدن الذكية، وهي مجالات أصبحت جزءاً أساسياً من مستقبل الاقتصادات العالمية. وفي الأردن، توجد قاعدة بشرية شابة وقطاع تكنولوجي يتطور باستمرار، إلى جانب جامعات ومراكز بحثية يمكن أن تشكل أساساً لتوسيع التعاون في مجالات الابتكار والبحث العلمي.
المعرفة والبحث العلمي: استثمار في الإنسان
يمكن أن يكون تعزيز التعاون بين الجامعات والشركات ومراكز البحث الأردنية والصينية أحد المسارات المهمة خلال السنوات المقبلة، عبر التبادل المعرفي، وبرامج التدريب، والمنح الدراسية، والبحث العلمي المشترك، وتطوير المهارات الرقمية، فكل ذلك يسهم في بناء جسور طويلة الأمد بين البلدين. وهذا البعد المعرفي لا يقل أهمية عن المشروعات الاقتصادية، لأنه يرتبط ببناء الإنسان والقدرات التي ستقود العلاقة خلال العقود المقبلة.
الطاقة والمياه والتعدين: أولويات تنموية مشتركة
تبرز الطاقة والمياه والتعدين باعتبارها قطاعات ذات أهمية خاصّة بالنسبة إلى الأردن، الذي يمتلك فرصاً وإمكانات في التعدين والأسمدة والطاقة المتجددة، بينما تمتلك الصين خبرات وتجارب واسعة في التكنولوجيا الصناعية والطاقة والبنية التحتية وإدارة الموارد. ويمكن أن يشكّل التعاون في هذه المجالات إضافة مهمة إلى مسار التنمية الأردنية، خصوصاً حين يجمع بين الاستثمار والخبرة والتكنولوجيا وبناء القدرات.
أمّا المياه فتظل من أهم القضايا التنموية في الأردن، ويمكن أن تتوسّع مجالات التعاون فيها لتشمل تقنيات المعالجة وإعادة الاستخدام ورفع الكفاءة وإدارة الموارد وتوظيف الحلول الرقمية.
وهكذا تصبح الشراكة الاقتصادية جزءاً من رؤية تنموية أوسع، لا تقتصر على الأرقام والمؤشرات، بل ترتبط بالقطاعات التي تمس مستقبل التنمية والاستدامة.
البعد العربي للعلاقات الصينية
من المهم أيضاً النظر إلى العلاقات الأردنية الصينية في إطارها العربي الأوسع. فالعلاقات بين الصين والدول العربية شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً كبيراً، وأصبحت مجالات التعاون أكثر تنوعاً لتشمل الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة والتنمية. والأردن، بحكم موقعه وعلاقاته العربية وخبراته البشرية والمؤسسية، يستطيع أن يواصل دوره في تعزيز التواصل بين الصين والعالم العربي، بما يخدم المصالح المشتركة ويفتح مجالات إضافية للتعاون، ولا يقتصر هذا الدور على التعاون الحكومي، بل يشمل أيضاً الجامعات ومراكز الفكر وقطاع الأعمال والمؤسسات الثقافية والإعلامية. فكلما اتسعت دوائر التواصل بين المجتمعات، أصبحت العلاقات أكثر رسوخاً واستدامة.
زيارة الملك عبدالله الثاني: محطة مهمة في العقد الثاني
في هذا السياق، تكتسب زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في آب 2026 أهمية خاصة، لأنها تأتي في مرحلة مهمة من تطور العلاقات، مع دخولها عقدها الثاني من الشراكة الاستراتيجية. فالزيارات رفيعة المستوى بين البلدين كانت دائماً عاملاً مهماً في تعزيز التفاهم السياسي وفتح مجالات جديدة للتعاون، كما أنّ التواصل مع المؤسسات والشركات الصينية والاطلاع على التجارب الاقتصادية والتنموية في المدن الصينية يوفر فرصة لتعزيز المعرفة المتبادلة وتحديد مجالات جديدة للشراكة.
وتحمل المرحلة المقبلة، في هذا الإطار، فرصة لتعزيز حضور القطاع الخاص، وتوسيع التعاون في الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والتعليم والسياحة والتعدين والمياه، بما ينسجم مع أولويات البلدين.
من الثقة إلى آفاق أوسع
لا يحتاج مستقبل العلاقات الأردنية الصينية إلى إعادة تعريف، بقدر ما يحتاج إلى البناء على ما تحقق. فالعقد الأول من الشراكة الاستراتيجية أسهم في ترسيخ الثقة وتوسيع مجالات التعاون، بينما يفتح العقد الثاني المجال أمام مرحلة جديدة يمكن أن تكون أكثر عمقاً وتنوعاً. فالأردن يمتلك موقعاً مهماً وخبرات بشرية وعلاقات عربية واسعة، والصين تمتلك تجربة تنموية واقتصادية وتكنولوجية واسعة، وبين هذه العناصر مساحة كبيرة للتعاون والتكامل.
وفي عالم تتزايد فيه أهمية آسيا، وتتسع فيه العلاقات العربية مع الصين، يصبح من الطبيعي أن تتطور الشراكة الأردنية الصينية بما يتناسب مع هذه التحولات، والأهم أن هذه الشراكة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وعلى رؤية تقوم على التنمية والتعاون وتبادل الخبرات.
ومن هنا، يمكن أن يمثل العقد الثاني مرحلة جديدة في مسيرة العلاقات الأردنية الصينية، مرحلة تنتقل فيها الشراكة من اتساع المجالات إلى تعميق أثرها، ومن التعاون التقليدي إلى مزيد من الاستثمار في التكنولوجيا والمعرفة والتنمية. وإذا كان العقد الأول قد وضع أساساً متيناً للعلاقة، فإن العقد الثاني يفتح أمام عمّان وبكين مساحة أوسع لبناء شراكة أكثر تنوعاً، وأكثر اتصالاً باحتياجات المستقبل، وأكثر قدرة على إنتاج فرص جديدة للشعبين الأردني والصيني.
وهذه هي القيمة الحقيقية للشراكات الاستراتيجية: أن تستند إلى تاريخ من الثقة، وأن تستفيد من حاضر مليء بالفرص، وأن تنظر إلى المستقبل باعتباره مساحة للتعاون والتنمية والمصالح المشتركة.
إقرأ أيضاً: طوابير لا تنتهي… هل تنفجر إيران غضبًا من أزمة البنزين؟